الجمعة، 22 مايو 2009

الكويت تعيش حالة ازدهار مجتمعي

الأسئلة التي كانت متداولة إعلامياً منذ بدء إشراك المرأة في العملية الانتخابية هي: لم لم تصوت المرأة للمرأة؟ لم صوتت المرأة للإسلاميين؟ هل يؤكد هذا عداء الإناث لبعضهن؟
بعد كل خسارة انتخابية نسائية (عربية عموماً) تعاد ذات الأسئلة وتصاغ ذات الأجوبة.. أحكام ماسخة متداولة توجه لكل من انضمت للمنافسة السياسية.
البعض سخر من وطنيتهن التي ‘’ لا تتعدى البحث عن الشهرة’’. البعض قال أن برامجهن الانتخابية ضعيفة جداً. بحثوا عن أدق التفاصيل في ملابسهن وماكياجهن وشعرهن. أشاروا بتقليدية مزيفة لاختلاطهن بالرجال. شمتوا بعدم اكتراث المجتمع منطقياً للتصويت لعقول أنثوية لا تملك صاحباتها شيئا تقدمه سوى تزيين البرلمانات وإلهاء ذكوره.
ليس هينا على المرأة العادية الاستماع لتلك الانتقادات التي لا تخلو من التجريح في أجواء داعمة يتزايد بها طغيان العرف والقبلية، وليس هيناً عليها التعايش مع موجة الصد لمرتين ولثلاثة انتخابات متتالية وتجاوزها في كل مرة.
لكن أولئك النساء لسن عاديات.
هذا وصف لما عايشته ورأيته في أعين عدد من المرشحات منذ دخلت المرأة الكويتية الانتخابات.. حماسهن للقضاء على الفساد، جلدهن، جرأتهن.
بعد عقود من المطالبة، تفوز أربعة نساء بالانتخاب المباشر ودون الحاجة لنظام الكوتا.
كان لي حوار مع عدد منهن بعد خسارتين، بدأن يتحدثن عن أهمية المطالبة بكوتا (حصص) تضمن مقاعد نسائية في البرلمان، فانصراف المصوتين جعل الطريق تبدو مستحيلة، لكن نجاحهن هذا العام يلغي الحاجة إلى أي كوتا. فالمشاركة السياسية بعد وقت قصير من إقرارها إنجازا لم تحققه كثير من العربيات. في المغرب (حيث الحقوق النسوية بأقصى تقدمها) أقر حق ترشح المرأة ومشاركتها في البرلمان منذ العام 1963 لكنها غابت عن نتائج الانتخابات التشريعية منذ تلك المدة ولم تدخل للبرلمان سوى عام 1993 أي بعد ثلاثين عاما. وبقي وجودها محدودا حتى أقر نظام الكوتا.
أسباب الغياب عربية، فالأمر لا يتعلق ببرامج انتخابية أو بأهداف سياسية، كل شيء يتوقف حول الأنثى المرشحة وليس السياسية المرشحة.
هذا سؤال عربي يطرح داخلياً في غالبية البلدان العربية والإسلامية. كيف تدخل أعضاء أنثوية للبرلمان؟ للوزارات؟ لقطاعات الصناعة؟ لبناء الجسور والأبراج؟ لمحطات البنزين؟
والخوف كل الخوف: هل ستكتفي الإناث بالاستقلال أم ستحل الإناث محل الذكور يوماً؟
كيف يسمح بأن تؤنث المدينة؟ فعلياً لا لغوياً فقط؟
أغواية أن تؤنث المدينة؟
أعتقد أن أعداداً مجتمعية تحمل نتيجة الفوز الكويتي بتجاوزها الاهتمام بإيجاد إجابات على الأسئلة السابقة. التقدم الفكري للمجتمع هو الذي أوصل أولئك البرلمانيات رغم وجود أصوات كثيرة متأخرة ومتطرفة.
بعد أول خسارة برلمانية للمرأة، أنتج فيلم للمخرج الكويتي وليد العوضي بعنوان عاصفة من الجنوب. كان وثائقيا عاطفياً يعايش حياة ثلاث مرشحات كويتيات في مراحل الانتخاب المختلفة وصولا إلى دموع الخسارة. في إحدى اللقطات يظهر زوج إحدى المرشحات وهو يعلق على انتقادات قبيلته لموافقته على إشراك زوجته (المرأة) في الانتخابات، قائلاً بأنه مستعد لأن يذود عنها ويفديها بكل ما يملك حتى بأبنائه..
كم امرأة في الخليج قد تواتيها فرصة أن يقف إلى جوارها رجل يقول لأجلها وأمام الملأ تلك الكلمات.
فرصنا قليلة جداً..
تظهر رولا دشتي في الفيلم نفسه، تقف الأنثى الوحيدة في ديوانية مليئة بالرجال، وتحكي معهم بصوت مرتفع..
كم امرأة في الخليج تعلم أن لصوتها المرتفع مكانة عالية وشرط إنساني لإعلاء ذلك الصوت أمام الناس؟
هذه هي الروح المجتمعية الكويتية التي أوصلت النساء للبرلمان. والتي كشفت عن ازدهار اجتماعي أكثر منه ازدهار سياسي.
الصعوبة كانت في البداية، تطلب الأمر تأقلماً محلياً مع ذهاب الرجل لمراكز الاقتراع والتصويت لامرأة يعتقد آلاف غيره أن مكانها بين طاولة البصل وسرير الرغبة، تطلب ثقة النساء بعناصرهن وتجاوز الخوف من الذات.
وكيف لا تثق بسيدات سياسيات محنكات. أسيل العوضي تمد يدها للجميع، لمن يعتبرها حليفة ولمن اعتبرها خصما في الانتخابات.
كذلك كانت ردود الفعل الأكثر تأثيراً بعد خسارة العام الماضي..
المرشحات لم يغضبن قدر شماتة المنافسين بهن، روحهن الوطنية العالية باركت لكل من فاز وهنأت به الوطن. أعتقد أن هذا هو المهم الآن، أن لا تتحول الساحة الفكرية والسياسية لحلبة تراشق بين الليبراليين والإسلاميين، بين النساء ومناهضي تحرر النساء، بين النساء أنفسهن. بل لحلبة تنافس على الخدمة العامة.
اليوم يقولون أن وجودها في البرلمان الكويتي سيقلل من حدة العنف فيه. وسيزيد من عقلنة قراراته. مؤكد أن أسيل العوضي ورولا دشتي ومعصومة المبارك وسلوى الجسار وصلن درجة الكمال في النظرة للوطن. لكن البعض يريد للمرأة أن تضفي الكمال الإلهي لأي منصب تصل إليه، طالما أنها منيت به أخيراً. هل يطلب ذات الأمر من الرجال؟ ألا يخطئ الرجال؟ لم على المرأة أن تكون مثالية جداً وكاملة للغاية؟


نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=134061

* المقاله منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10661


الجمعة، 8 مايو 2009

هيبا، هيباتيا وعزازيل

ماذا يقول الراهب هيبا؟ إن للعنف جذوراً في كل لاهوت، وإن الحرب وليدة المعتقدات أو إن المعتقدات مبرر لكثير من الدماء. مثلما الشيطان مبرر لكل الخطايا.في رواية ‘’عزازيل’’ التي هي ترجمة يوسف زيدان لمجموعة رقوق قديمة، يقول الأسقف كرلس على لسان المسيح ‘’ما جئت لألقي في الأرض سلاما بل سيفاً’’ تسمعه الجموع المحتشدة في الكنيسة فتهيج وتجن لتسحل بعدها أستاذة الزمان عالمة الرياضيات الجميلة هيباتيا (الكافرة) في شوارع الإسكندرية. تجرد عنها ملابسها وتمزق أعضاءها حتى تصل لمثواها الأخير، كومة حطب تضرم بها النار فتحرقها حية وصراخها يجلجل في أنحاء المدينة.أحكام هدر الدم السائرة اليوم لا تفرق كثيرا عما حدث لهيباتيا سنة 415م.قرأت لأحد المهووسين مقالا يحلم صاحبه أن يحل البابا بندكتس السادس عشر دم يوسف زيدان! في حرم المؤسسات الدينية يغدو الدم سهلا، ربما ترياقا.. كثيرة هي الأضحيات والقرابين التي قدمت لمختلف أنواع الآلهة منذ الأزل. عذارى..حيوانات..رجال ونساء..كفرة.. علماء هراطقة. دماء. لكم تلوثت الآلهة بالدماء. فهل نقتص حقنا البشري من صناع التراث الديني أم من الآلهة؟ويعيد التاريخ الديني نفسه، الأسطورة تعيد نفسها بطرق مختلفة..المتحدث باسم الإله سأل الراهب هيبا عن أعظم الأطباء فأجابه: أمنحوتب، أو أبقراط..رد: بل هو ربنا يسوع المسيح..نفس ما نشهده عند المتحدثين باسم الإله من المسلمين.وهو ما يتبين من قراءة مؤلف لجورج طرابيشي عنوانه (مصائر الفلسفة بين المسيحية والإسلام) حيث ذكر مصطلح الأرثوذوكسية الإسلامية على غرار الأرثوذوكسية المسيحية في أثناء شرحه لموقف الحضارتين من مسألة العقل.عبارات رجال الأديان تتردد هي ذاتها منذ أكثر من ألف.. أكثر من ألفي عام ‘’نحن نعيش زمن الفتن، زمن الجهاد’’.. ‘’طهروا الأرض من أعوان الشيطان’’..كل من خالف المؤسسة ليس مخطئا فقط بل نجس، حتى داخل الدين الواحد هناك نزاعات طائفية تفرق بين الطاهرين والنجسين، نزاعات خالدة لا تنتهي. الدعوات إلى تطهير النفس والجسد لا تنتهي. لكن من بيده بيان لنص الطهارة؟تسجل الرقوق التي لاقت ضجة هائلة مع نشرها، صراع أساقفة الكنيسة في القرون المسيحية الأولى حول طبيعة المسيح، بين مؤيدي مجمع نيقية القائل بأن المسيح هو الله وبين أتباع آريوس القائلين بأن المسيح كان بشراً..والذين حكم عليهم بالحرمان والطرد.وتروي المذكرات رحلة دينية نفسية فلسفية عميقة..يصف بها الشاعر أو الطبيب هيبا بعض الفكر الخرافي آنذاك، كالإيمان بأن بئر الشيطان تقتل من يشرب منها، فيكشف لهم الراهب الطبيب ساخرا أنها مسكن للدود ولا علاقة للشيطان بها.ورغم سخريته فرقوقه تجسد الصراع الدائر بين الإنسان والشيطان.. يلومه هيبا لأنه سبب كل خطيئة اقترفها. حتى ألبسه غوايته للكتابة عن خطيئته مع أوكتافيا.لكن عزازيل (الكلمة العبرية للشيطان) يدافع عن نفسه فينقذ هيبا من تناقضاته وأوهامه..ماذا يقول عزازيل؟أنه ليس محرضا على الآثام؟ما يعتبره البعض إثماً من صنع الشيطان يعتقده آخرون عملاً من صنع الرب. قال عزازيل لهيبا يوماً: هذا ليس صوتي بل صوتك أنت؟ أنا مبرر للخطايا ليس إلا. الإله لا يصنع الإنسان بل العكس.. وأنا أيضا من صنع الإنسان..ماذا يريد الخارج من الدير للأبد، الحر الذي تفاهم مع شيطانه أن يقول:إن الإله وعزازيل يتحكمان بالإنسان وفق السائد؟ يسيران خطوط حياتنا دون تدخل منا؟ أهذا ما نفهمه منك يا هيبا؟ تجرأ الراهب في موضع آخر، فتجاوز وصف تفاصيل علاقة حميمة جمعته بامرأة وثنية، ليصف طيور الحمام وصفا رومانسياً رائعاً. ‘’ لا تفرق ذكوره بين أنثى جميلة وقبيحة، ولا يعرف الفرد منه أبا أو أما بل يعيشون في شركة كاملة لا تعرف أنانية ولا فردانية.. كحال الإنسان أول الأمر.. يختار الرجال من النساء والنساء من الرجال ما يناسب الواحد منهم للعيش حينا في محبة مع الآخر ثم يتركه إذا شاء ويأنس لغيره.. ويصير نسلهم منسوبا لهم جميعاً...’’تمنى مرة لو يكون مثل ذكور الحمام ‘’ أحظى لحظة بمن اقترب مني ثم نطير..’’.اجتمعت التناقضات في شخص واحد. فهيبا راهب استعار اسمه من هيباتيا الكافرة بعرف الكنيسة، وهو شاعر وملحن وطبيب وعاشق .. عشق الحياة والمرح، قبلها عشق أوكتافيا الوثنية الحزينة على ديانتها وعلى معبد هدمه ثيوفيلوس، اعتقد هيبا أنها فاجرة. لماذا يقضي الرجل أوقاتا مع امرأة يحتقرها ويعتقدها آثمة تذكره بخطيئة آدم الأولى؟ بعد عدة أيام قضاها معها ساورته شكوكه التي تلازمه كظله.. من منهما الضال ومن المهتد؟ المرأة الوثنية أم الراهب الزاهد؟ وبعد عشرين عاما كتب يقول ‘’ أوكتافيا الطاهرة’’. حين طلبت منه أوكتافيا البقاء إلى جانبها فكر هيبا الرجل الأناني فردت نفسه عليه. كيف يتخلى عما بناه، عن الطب واللاهوت لأجل امرأة. وحين أحب مرتا وسألته الزواج..أخبرها أن إنجيل متى يحرم الزواج من مطلقة فذلك كأنه زنى..أجابت مرتا: وما الذي كان بيننا بالأمس في الكوخ؟ ألم نكن هناك نزني؟أعادت نفسه ذات الرد الأول.. كيف يتخلى عن كل شيء، عن الطب واللاهوت، لأجل طفلة عشرينية.لكنه في النهاية تخلى عن كل شيء. أفهمه عزازيل كل شيء. أقنعه أن التجسد خرافة، وأن العالم الحقيقي هو الموجود بداخله وليس في اختلاف الوقائع، تصالح مع أفعاله، بدأ يزهو بشعور الجوع وحاجته إلى الطعام. رحل عن الأوهام والخرافات ليعيش حراً.هل ذهب إلى حلب ليتزوج مرتا وينقذها من الغناء؟ أم أنه لم يحب مرتا ولا أوكتافيا؟ أحب فيهما جسديهما العاريين المناقضين (لطهارة) تعاليم الكنيسة؟ قال له عزازيل يوماً ليثنيه عن الانتحار:‘’تحيا يا هيبا لتكتب، فتظل حيا حتى حين تموت في الموعد ، وأظل حيا في كتاباتك..اكتب يا هيبا فمن يكتب لن يموت’’.وقال يأمره بقول الحق: ‘’لا تكن مثل ميت ينطق عن ميتين ليرضي ميتين’’.

نادين البدير

كاتبه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-

http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=131112

* المقاله منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10531



الجمعة، 1 مايو 2009

بلــــورة

الأحلام تعكس ثقافة الشعوب.
حلمتُ زماناً أنني أجربُ حذاءً. وفسرتْ السيدات من حولي الحلم..
الحذاء معناه عريس.
هل تدرج حقد النساء ليصل إلى ربط الرجل بالحذاء، هونت الأمر بأن يكون الحذاء تمثيل لموطئ قدم جديد عبر الزواج والانتقال للعيش في مكان آخر.
في نومها نزعتْ رفيقتي ذات ليلة عقداً من رقبتها، فقالوا لها إن فقدان زوجها بات وشيكاً.
ورأتْ مخلوقة أخرى ميتة تخبرها بأنها تتعذب في قبرها، فأرجع السبب إلى أنها كانت ترتب حاجبيها في حياتها. حزنوا عليها وأخذوا يرتلون لها الآيات لعل عذابها يهدأ أو يتوقف.
إنْ حلمتَ أنك ترقص، فيعني ذلك أنك ملعون، وإنْ حلمتَ أنك تغني، فقد ارتكبت إثماً كبيراً.
أليس هناك احتمال لحاجة عضلاتك للحركة؟ لأن تكون روحك الصافية قد أخذت تغني في منامك لتسعدك؟
التي تواظب على ارتداء العباءة ترى نفسها في المنام دونها، فيعتقد أن أمرا فاضحا سيصيبها ويهتك سترها.
وترى بلورة الأحلام أن مشهد امرأة تسير منحرفة عن الطريق يعني أن زوجها غير راضٍ عن سلوكياتها.
وحين انطلقتْ تســافر في حلمها وحـيدة خشيتْ ولجأتْ لصاحبة البلورة الشعبيـة، فرأتْ أن مكروهاً سيصيبها؛ لأن سفرها دون محرم حرام.
تفسيرات الأحلام كتفسيرات النصوص لا تخرج عن إطار الطاعة والتقاليد.
هل هكذا أفسر ما أراه في المنام؟ هكذا تختصر أرواح وعوالم وأنفاق خيالات بحكايات مشعوذة أو قصص تقاليد.
مَنْ هم المرحومون في الأرض الذين يحلمون أم الذين لا يعرفون غير عالم الملموس؟
لما لا أتوقف عن الحلم؟ يخبرني كثيرون أنهم لا يرون شيئاً في منامهم. لماذا أنا إذاً؟
ويقول العديد أن الأحلام رمادية، لكني أرى أحلامي ملونة بوضوح.
لا يلبث جفني أن يرى ظلمة حتى ينتقل رأسي لعوالم جديدة، وقصص عجيبة.
أدققُ دوماً، أتأكد أن ما يحدث ليس تكملة لأحلامي، بل من صنع الواقع.
وأحياناً أضطر لأن أدقق أكثر حين تختلط أحلام النوم الغريبة بأحلام اليقظة السعيدة بواقع تعيس. أيهما أختار؟ وأيهما الأصح؟
رأيتك بالأمس، كان عمرك خمسا وستين، وكان البشر يكافئونك لتأليفك قصيدة معروفة وقديمة جداً، لكنها ليستْ لك.
لماذا أتيتني. أعلم أن لي يدا في جلبك وإلا ما كنت تجرأتَ.
كنتَ على مسافة ياردات مني، عجبت كيف ابتلعت الدنيا عشرين عاما منك دون أن أعرف، أخبرني أناس حولي لم أصادفهم يوما أني لم أكن أدرككَ جيداً حتى أني لم أدقق يوماً لأعرف أن شعرك أبيض بامتياز، ونظرتُ إليك أتفحصك للمرة الأولى وألحظ فارق العمر بيننا.
وكيف لم أعلم أنك تكتب شعرا، كيف لم تخبرني أن القصيدة المعروفة كانت من تأليفك، وأنك تحيا منذ ذلك الزمن، لهذه الدرجة كنت أجهلك.
هل يقل التقاء الأرواح قيمة عن التقاء الأبدان؟
تهتُ بين أن أفرح كعادتي؛ لأنني التقيتك كما أقابلك دائما في زحام الدنيا دون أدنى موعد. ألذلك أهواك؟ هل أحمل في داخلي بعضا من رجل لا يحب أن تلاصقه امرأته؟
وتيه بين أن أفرح؛ لأني اكتشفتُ بك حقيقة قد تبعدني عنك؟ تنسيني إياك؟ كذبك. أيكفي أن أعرف سنوات عمرك، وأعرفك شاعرا كي أنساك؟
وكيف تريدني البلورة الشعبية أن أراك، حبيباً في الأربعين أم أباً في الستين، أم أنها لا تملك في دستورها نصاً لحالتنا الخارجة عن التقاليد؟.

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=129441

* و منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10464

الجمعة، 10 أبريل 2009

بحبــك يا حمــار

ليس ''حمار الحكيم'' الذي فلسفه توفيق.
بل ''حمار الصغير''.
حماره دخل أبيات الأغنية العربية التي دافعت عن وجوده وعن حقه كحيوان من خلال أداء سعد الصغير؛ حتى صار للحمار نصيب عالٍ من حصة الأغنية الشعبية في سوق المستمعين الذين زاد توجههم في السنوات الأخيرة نحو الأغنيات المعتمدة على استفزاز الأذن قبل التقاليد الفنية. بالكلمات والحركات والأزياء عدا الألحان.
الحمار أثار أزمة. ترددت أخبار عن أن شعبان عبدالرحيم لم يصمت إزاء أغنية (بحبك يا حمار)، فقام بتحذير سعد الصغير من التمادي بحب الحمار في الملاهي الليلية وعلى المسارح؛ لأنه (أي شعبان) صمم على إهداء أغنية للحمار قبل سنوات عدة (أنا بحب الحمار بجد مش هزار)، ويتهم اليوم سعد بسرقتها، وبعد تنافس المطربين على اكتساب ود الحمار حظيت أغنية سعد الصغير بحفاوة شعبية ساحقة.
لكل عصر فئته الشعبية الخارجة عن السائد. ملابس رثة وألفاظ لم يعتدها العرف. سعد وريكو وكثير من المغنين قد يكونون ضمن هذه الفئة.
في العادة تترك تلك المجموعة أثراً أو تحدث تغييراً، فطالما أنها أحدثت ضجيجاً في وقتها، فهي وإن انتهت أو اختفى بريقها سريعاً مثلما ظهر، إلا أنها خطوة أو زاوية من زوايا المستقبل.
ثورة اجتماعية؟ أم سقوط فني؟
في مظهرها لا تبدو الأغاني الجديدة ثورة اجتماعية، قريبة هي إلى زعيق أولاد الشوارع.
وليس التأقلم مع تلك الأغاني ممارسة للانفتاح على كل ما هو جديد وعصري، التأقلم والعصرية ليس قبول كل شيء، وأي شيء.
حين ظهر ''الهيبيز'' في الغرب ارتدوا ملابس تتحدى الذوق العام في تلك الفترة، واعتمدوا المظهر البوهيمي ومارسوا أنواع الإباحية، واليوم يعتقد الكثير من هيبيز الماضي أنه ليس من داع لاستمرار ذلك النهج الحياتي المتخبط بعد انتهاء الثائرين من تنفيذ مرادهم. فبعد الحرية العشوائية المؤقتة دعت الحاجة إلى الاستقرار عبر الحرية الواسعة المنظمة والمسؤولة.
واليوم يزعم نجوم موسيقى الروك (المتهمون بعبادة الشيطان) أن لديهم رسالة يوصلونها من خلال ألفاظ ينتقدون فيها مبادئ لا يريدونها، ولإثبات سلامة أهدافهم يشاركون بالأعمال الخيرية العالمية، وقد طالب أهم نجوم الروك زعماء العالم بتخفيف أعباء الديون عن المنطقة الإفريقية المنكوبة، وعملوا بجهد كبير لكبح داء الأيدز عن الانتشار هناك.
إذا كانت الأغنية طريقا قصيرا لإيصال رسالة، فهل يملك المغنون المصريون واللبنانيون الجدد مشروعا مجتمعيا أو سياسيا؟
واحدة تتغزل بالحصان، وآخر بالحمامة، وثالث بالعنب، وهناك من تنتظر دورها على ''الرووف''.
الموضة الجديدة هي التحول إلى دائرة الحيوان والنبات، الموضة التغني بجزمة بوش والحنطور.
هل من ضمن المشروع تشويه الموسيقى، وتعليم الفراغ.
هل الأغنية انعكاس لثقافة الأفراد؟ أم أن الأغنية هي التي تصنع الثقافة؟
جزء كبير من الثقافة يتشكل اليوم عبر شاشات المنازل. يستقبل الفرد كلمات لم يعتد أن تدخل منزله، لكنها تعجبه أو ينصت لبرنامج ديني يتدرج حجم تطرفه بين البسيط والمعقد، وكلها تصب في الزاوية ذاتها.
في كل مرة تناقش بها أوضاع الفن يتردد لفظ (العري) آلاف المرات وتهمل الألحان، كلمات الأغاني، مستوى المطربين.
المسألة ليست في العري أبداً، وكأن العري شيء جديد على الفرد العربي.
كانت الراقصات في الأفلام القديمة وحتى الممثلات يرتدين ملابس كاشفة جداً لم تقم بارتدائها أي مطربة اليوم، ولم يكن المجتمع العربي يكتبه أو ينتقده ويهاجمه.
حالة الجسد المكشوف هي حالة قديمة ومعتادة.
كان الجسد شبه العاري مكملاً للروح الموسيقية متعانقاً معها. كان الجسد مكشوفاً بوقار. اليوم تؤدي الموسيقى دور الكومبارس الذي يقف خلف الباحثات عن الثروات.
وفي بعض المقطوعات، اجتمع لحن ملائكي منزل من السماء مع أجساد الإناث وصوت فريد الأطرش المستحيل لتتشكل لوحة إنسانية نادرة، كما في أغنيته الربيع الذي نعيشه هذا الشهر.
وأنا يمرني الربيع هذه الأيام. وأكتب عمن يريد أن يطعم حماره آيس كريم بدل البرسيم.

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=124609

* و منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10248

الجمعة، 3 أبريل 2009

في الملتقى الإعلامي روت لي نبوءة أبيها: لن تنجحي.. لأنك شريفة


أثناء تكويني الفكري استمعت لبعض الأهل يتحدثون عن قصة شابة كانت تربطهم بها قرابة بعيدة، واجهت ظروفاً صعبة في صباها، ثم أثارت دهشة الكثيرين وحنق البعض وهي تتخطاها وتتحداها لتكمل مشوارها الذي اختارته. طوعت الظروف وسارت بدرب رسمته بيديها. كان الإعلام حلمها.قالوا إنها كانت حديث الجميع. فمَنْ المرأة التي تتجرأ على التقاليد في أوائل السبعينات وتفكر بالعمل الإذاعي.لفترة طويلة وإرادة تلك الفتاة المجهولة التي سمعت عنها تمدني بأشياء من الصلابة وبروح الحياة رغم أني لم أرها ولم ألتق بها قط ولا أعرف حتى اسمها، وحسبت أنها مذيعة عادية بإحدى القنوات المحلية، اكتفيت بكلمتين عنها علقتا بذاكرتي: أرادت، نفذت.وفي نيسان الماضي حضرت إلى الكويت للمشاركة في إحدى ندوات الملتقى الإعلامي العربي الذي يرأسه الإعلامي الكويتي الأستاذ ماضي الخميس. كنت مدعوة في مثل هذا اليوم على العشاء ضمن الوفد السعودي الموجود آنذاك. هاتفني الأستاذ ماضي وقال لي: السيدة هدى ذاهبة، روحي معها بالسيارة نفسها.كانت فرصة للتعرف شخصياً إلى الإعلامية العريقة التي ينوي الملتقى الإعلامي تكريمها في اليوم التالي.في بهو فندق شيراتون كنت أنتظرها عند المدخل. رأيت هدى الرشيد قادمة نحوي، عرفنا بعضنا دون أن نلتفت باحثات بين الجموع التي كانت تملأ البهو استعدادا لافتتاح الملتقى في اليوم التالي.فوجئت بها، جميلة، أنيقة جداً، شعرها قصير. وماكياجها بسيط. تبدو كسيدات المجتمع الأوروبي. تحدثنا في السيارة كثيراً، وصارت تسألني عن عملي وأسألها عن حياتها.حين وصلنا المجلس الذي كان يضم عشرات الرجال وأربعة أو خمسة سيدات جالسات مع بعضهن كنت أهم بالجلوس حين قالت لي: لن نجلس قبل مصافحة الجميع. قام الجميع من مقاعدهم وأخذنا نصافح عددا كبيرا من الرجال، وحين انتهينا جلسنا قرب السيدات، فقالت متذمرة: لا يعجبني الجلوس هنا في الزاوية. المفترض أن نتوسط الحاضرين. كانت تلك هي السعودية الأولى في حياتي التي ترغب في توسط الحاضرين دون الانزواء خجلاً. صعب لدى الكثيرات أن تتطابق مبادئهن العليا بتفاصيل عاداتهن اليومية.حين أعلن عن العشاء، همست في أذني: لن نقبل أن نجلس إلا في مقدمة المائدة، وهكذا كان.في اليوم التالي كرمها الملتقى الإعلامي بجائزته التقديرية.هدى الرشيد السعودية التي أمضت 32 عاما كمذيعة رئيسة في إذاعة الـ’’بي بي سي’’ البريطانية، وتردد عبر الأثير: هنا لندن.صادقتها ولم أصدق نموذجها الفريد. تملك روحاً شجاعة تجهل الكلل. وصممت بعدها على إجراء حوار معها.حضرت من لندن.روت قصتها في الانتقال من السعودية إلى الحياة في بريطانيا، ووصفت معارضة أبيها الشديدة لانتماء ابنته لعالم الإذاعة.حين أعلنت لأبيها أنها تريد أن تكون مذيعة حاول التثبيط من همتها:‘’لن تنجحي في هذا العمل؛ لأنك شريفة’’.لكنها أصرتْ على المضي في العمل الإعلامي الذي تحتكر النجاح فيه كل من فقدت شرفها، كما يعتقد والدها، ستثبت لأبيها أن النجاح والشرف مقدر لهما أن يلتقيا، فلا شرف دون طموح، ولا نجاح أبدي لمن يتطاول على قيمه.وبعد مدة من خروج صوتها عبر الأثير صار الأب يخبر الجميع عن ابنته التي رفعت رأسه عالمياً.. حتى كان يسأل سائق التاكسي: أتعرف ابنتي.. المذيعة الشهيرة في الـ’’بي بي سي’’.. وانتقل لاحقا للإقامة عند ابنته التي صارت مصدر فخره.نجاحها كان أبدياً.لكن النجاح لا يأتي بسهولة: ‘’كنت أبكي كثيرا في الحمام في مبنى البي بي سي’’ ‘’حققت كل ما أريد مع بعض الفجوات المحزنة، هل توجد سعادة من دون فجوات’’.بعدما أذيع الحوار صارت الاتصالات تتوالى على هاتفي: أهي هدى؟ هل هي سعودية أصلية؟كنا نظن صوتها ملكاً لمذيعة عراقية، وكم سنة صار لها في بريطانيا؟ وما أسباب هجرتها؟.شيء حزين.اثنان وثلاثون عاما من العمل في أعظم المحطات الإخبارية ولا يعلم عنها مواطنوها انتماءها لبلدهم، كما لم يتم تكريمها في أي من الاحتفاليات الوطنية! واضح أنها لم تكن تهدف لشهرة وضجيج. واضح أنها كانت تهوى عملها حبا جماً، وواضح أن هناك نكراناً وإهمالاً للطاقات العربية المهاجرة، كما يحدث دائماً، وأعتقد أن هذا هو سبب وجودها في الخارج، فأولئك الذين علموا تماماً مقدار ما يمكن أن تمنحه الأرض العربية، وعلموا تماماً موهبتهم التي تضيق عليها مساحات بلدانهم قرروا منذ زمن بعيد الهجرة، وبقي هنا الحالمون بمستقبل أفضل، أو بقي الذين لا يعلمون أنهم يملكون الموهبة. وهدى ضمن الندرة التي عرفت أنها تملك الموهبة، وعرفت أين وكيف تستغلها؟أما أهم اتصال جاء كتعليق على الحوار، فكان من إحدى قريباتي تخبرني أن ضيفتي هي الفتاة ذاتها التي كنت أستمع لحكايتها في صغري.علاقتي بها بدأت منذ خمس عشرة سنة، وتعتقد هي أنها تعرفني منذ عام واحد فقط.المرأة ذاتها التي أمدتني بالقدرة على التمسك بالحلم، تمدني اليوم بالرغبة في الحلم من جديد، وعن قرب تعرفني على أجمل نموذج مستقبلي يمكن أن تحلم به أي سيدة.هذا شكري أوجهه للملتقى الإعلامي العربي الذي لولا تكريمه لهدى الرشيد ما كنت تعرفت إلى واحدة من أسباب تكويني.وهنيئاً للملتقى (الذي يبدأ دورته السنوية غداً) بمنجزاته الحية، والتي آمل أن تكون ككل سنة مفاجئة معطاء.
نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه
* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
* و منشوره ايضًا في جريدة الوقت البحرينيه :-

الجمعة، 27 مارس 2009

كلنا رسل للقانون


إذا كان غسيل الأدمغة قد دفع للاعتقاد بأن سيادة القانون أمر مخالف للعقيدة.
وإذا كان ذات الغسيل قد دعا للإيمان بأن مؤسسات المجتمع المدني هي عمل شيطاني.
وإذا كانت السلطوية قد جمدت عمل التجمعات المدنية ومنعت الاتحادات والنقابات وكل تحرك حقوقي من مزاولة النشاط في بعض الدول.. في حين سمحت الحيلة السياسية بنشوء تلك التجمعات في دول أخرى لكنها أبقتها في حيز دائرة (مع وقف التنفيذ)..
وإذا كانت الجريمة قد انتشرت في بلد ما وأصبحت كالخبز اليومي، والمجرمون نجوا من الاتهام وصار لهم شأن مهم، يحترمهم السياسي قبل المواطن العادي..
فهل من أمل بتحقيق حلم سيادة القانون؟
نعم وأمل كبير..
هذا ما تحكيه قصص أبطال حاربوا الجريمة والفساد.. لم يصمتوا بل صمدوا أمام المجرمين وسارقي أمن المجتمعات.
المؤلف الإيطالي روبرتو سفيانو نشر روايته (غومورا) عن مدينته التي يحبها نابولي والتي شوهتها مافيا كامورا وتفشت بها حد الجنون. لشجاعته أصدرت المافيا بحقه حكم القتل، لذا يسير اليوم برفقة مجموعة من الحراس، لكنه لم يخشَ من فعلته الوطنية، فدماء حب أرضه تمنعه من التوقف عن المطالبة بالعدالة.
روى روبرتو في كتابه عن شاب يكشف جرائم وحقائق تنشر لأول مرة عن مافيا كامورا التي توطنت في كاسال بنابولي وأخذت تعيث بها قتلا وتدميراً وتجارة محرمة دون رادع أو اللجوء لقانون عادل.
ولولا إيمان روبرتو بأهمية القانون ما ألف روايته المميتة.
الطاقة التي كتب بها روبرتو روايته لا بد وأن انتقلت لي أو لغيري، ما قام به ليس عملا محليا خاصا بمحبوبته نابولي، بل هو عمل عالمي يدفع عشرات الآلاف غيره من محبي أوطانهم إلى الاحتذاء به.
إنها ثقافة الوطنية تنتقل بين أفراد الشعوب المختلفة.. ثقافة المطالبة بحكم القانون.
ذلك تحديدا هو عنوان المنتدى الذي انضممت إليه قبل عامين وأصبحت عضوة به.. منتدى ثقافة القانون..
ومفهوم ثقافة القانون بحسب تعبير روي جدسن (البروفيسور في جامعة جورج تاون ومؤسس مشروع ثقافة احترام القانون) '' ثقافة تقتنع فيها الأكثرية بأن حكم القانون يتيح أفضل فرصة على المدى البعيد لضمان الحقوق، كما تقتنع بأن حكم القانون قابل للتحقيق وهي ملتزمة بالدفاع عنه...''.
''في ثقافة احترام القانون تؤمن الغالبية بأن الامتثال لحكم القانون أفضل سبيل لخدمة المصلحة العامة والمصلحة الشخصية كما لحمل الحكومة نفسها على اتباع حكم القانون..''.
هناك فارق بين حكم القانون والحكم بالقانون حيث يسنّ أصحاب النفوذ أو النخبة القوانين ويسيطرون بها على الضعفاء.
أهم ما جاء بمفهوم روي لثقافة القانون هو أن مكوناتها يمكن أن تبنى في جيل واحد فقط، بحيث يقتنع المواطنون، الذين يتخذون من القانون مثلا أعلى، أن باستطاعة مجتمعهم الانتقال لحكم القانون لكن يتعيّن عليهم وعائلاتهم وأصدقائهم تأدية دور ناشط في تعزيز ثقافة احترام القانون المطبقة والإبقاء عليها.
أهم الأسئلة التي يطرحها روي: من المسؤول؟
يقول إن الجميع يضع المسؤولية على الدولة أو الاقتصاد أو غيرهما ولا أحد يتهم نفسه.. لا أحد يحرك ساكناً، فكل فرد بانتظار أن تأتيه العدالة من المجهول..
كل أفراد المجتمع هم مسؤولين برأيه، لا الدولة ولا الاقتصاد فقط.
منتدى ثقافة القانون لا يضم قانونيين بل أفراد من مختلف المواقع. إعلاميون، منتجون، مخرجون، أساتذة جامعات، ممثلون سينما.. كل له مشروعه التوعوي الخاص، وقد يضم مستقبلا طلاب جامعات ومدارس أيضاً..
ونتطلع لتوسعة المنتدى عبر مشاركة المزيد من الأفراد وتلقي المزيد من الأفكار. الجميع يجب أن يشارك في الرسالة السامية الجديدة.
ما يهدف إليه هذا المنتدى العالمي هو نشر الإيمان بين الأفراد بأهمية القانون، وهو أصعب من مطالبة الدولة باستحداث قانون..
أن تعيد صياغة قيم الأفراد أمر به تعقيد، فكيف يؤمن المجتمع الذي يعتريه الفساد ويصمت، المجتمع الخائف من لحظة الوفاة، أن باستطاعته وحده إنهاء الجريمة؟
ويزداد الأمر تعقيدا إذا وصلنا لدول تحرم مؤسساتها الدينية العمل المدني وتتهم القانون المدني بصفته قانون كفر وبغاء.. كيف يؤمن أفراد تلك المجتمعات بأن السيادة للقانون لا لنزوات مفسري النصوص؟
كيف ننشر ثقافة احترام القانون في بلد ليس به قانون، يحتكم الجميع إلى علماء مختلفين فيما بينهم حد النخاع وتتغير أقوالهم المقدسة مع تغير أحوالهم وأوقاتهم؟
هل نطلب سن دساتير أولاً؟ أم نبدأ بتوعية الأفراد بالجريمة التي حدثت بحقهم.
الجريمة التي هي أقسى من جرائم نابولي.
في نابولي يعاني المجتمع ويعلم أنه يعاني.. أما في هذه الحالة، التي يسود بها حكم (البلطجة) وقطاع الطرق بشكلهم العصري الجديد، فيعاني الشعب ولا يعلم أنه يعاني.. مجرد توعيته بمشكلاته ستلقى هجوما من الشعب ذاته الذي خضع لأكبر علمية غسيل مخ جعلته يرى الظلم عدالة.
أجريت حوارا في برنامجي حول مؤسسات المجتمع المدني في إحدى الدول الخليجية. وجاءتني الردود..
يقولون إن مؤسسات المجتمع المدني شيطانية، التسمية البديلة: مؤسسات المجتمع الديني.
يقولون إن نقابات المهن المختلفة كفر..
مفهوم القانون بنظرهم هو الابتعاد عن الدين وحكم البشر بدلاً عن حكم الله.
فهل نضيع الوقت بحثاً عمّن شكل هذه العقلية لنلقي اللوم عليه؟ في الوقت الذي يصر روي على أننا مسؤولون جميعنا..
كنت دخلت بالأمس جدلاً مع صديق يؤكد بأنه لن يتغير شيء طالما أن الأنظمة (المسؤولة) رافضة للتغيير. قال إن جرة قلم من أي نظام بإمكانه تعليق العدالة أو الدفع بها. ''فلم تضيعين حياتك وأنت تكتبين عن العدالة؟ عن شيء لن تملكي القوة يوماً لتغييره..''.
صديقي هذا لم يحضر منتدى ثقافة القانون الذي بدأناه في إيطاليا وانتقل لأبوظبي ثم البحر الميت، واليوم أكتب هذه السطور خلال الاستراحة بين جلساته في العاصمة بيروت..
صديقي لم يتذوق حلاوة الاستماع لقصص أبطال عالميين ولم تدمع عيناه أمام مشهد أعينهم تفيض بالدموع وهم يتذكرون إصرارهم ونجاحهم في مواجهة العنف باللاعنف.. واللامدنية بالشرعية والهوية.
كل قصة رويت من أحدهم كانت دليلا كافياً على أن كل فرد هو المسؤول.
كلنا رسل للقانون.
إذا قال فرد واحد منا: لا.. فسيتبعه الملايين وستسقط أجهزة فاسدة بأكملها..
في بيروت قرأت أمام الحاضرين البيان التأسيسي للمنتدى، شعرت أني أعلن عن قيام دولة.
رغم أن المجموعة أمامي كانت صغيرة لكني شعرت أني أعلن عن تأسيس أهم حدث تعيشه الشعوب.. ثقافة احترام القانون.
.


نادين البدير

كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=121492

* و منشوره ايضًا في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10095


الجمعة، 20 مارس 2009

كـــــل ســـنة وأنــــتِ مـــامـــا


تذكرين أمي من علمني أن أنام تحت السماء؟
قلتِ لي إن النائم تحتها بإمكانه الإبصار، باستطاعة عينيه المغمضتين رؤية القمر وتأمل النجوم.
وتذكرين كيف علمتني أن أكره العتمة؟ أن أبقي الستائر والنوافذ مفتوحة، لأحكي مع الأفلاك وكل الكائنات؟
أنا لم أخش رواح النهار يوماً مثل بقية الأطفال.
أحببت الليل مثلك، رأيتك تعبرينه وتثبتين أن لليل ضوءا، ضوء لا ينضب اسمه أمي.
وأحببت الفجر.
صار الفجر ملكي منذ أيقظتني لأعيشه وأنا في السادسة إلى أن تخرجت.
وحين يطلع النهار، وتجتمع الأمهات والأبناء، ليست دروس أمي كوصايا الأمهات، لم ترد أن تهب البشرية إرثا جديدا من الحريم.
فلا ضيعت الوقت معنا بتجميل مهنة النخاسين، ولا أبهرتنا بحكايات الأمير والجارية الحسناء الحزينة.
(إياكِ والخوف) كان أول دروسها: نحن النساء لا يضيعنا سوى الخوف..إن أظهرت ضعفكِ قضى عليك.
أول درس كان الأهم. الخوف من المجهول الذي يسيطر على ملايين العربيات لم يعرف طريقه لنا لأنك أبعدت شبحه عنا، ربطت انتفاءه بالكرامة والشجاعة.
سردت لنا أمي قصصا عن رجال ونساء من الزمن البعيد والقريب كيف أن شجاعتهن أدامت بقاءهن، قصصت لنا بطولات شعوب الأرض التي لم تخف، التي نجت لأنها لم تخش قط.
في كل مرة أضع عيني في الأرض أتذكر أوامرها بأن عين الأنثى حارسها، والحارس لا ينم ولا تجفل عينيه. كذلك عينيها متيقظتين متوثبتين دائماً، عينا الأنثى الحقيقية، تقول أمي، تخيفان الأشرار الذين يبحثون عن صيد ثمين. يعرفونه في عينين خائفتين خجلتين معلقتين بالتراب.
لم يكن يربكني أكثر من صوتها وهي تلاحقني في كل الأوقات قائلة: ارفعي صوتك، الصوت المنخفض صوت كسير فيه إيحاء لدعوات غير حميدة وأنت في مجتمع تفسيراته ليست حميدة في معظمها.
درس النقد كان أصعب الدروس.
عدت يوماً إلى البيت لأقص بانبهار نبأ يتداوله الجميع. فاجأتني ردة فعلها كالعادة، رأي مغاير لما اتفق عليه كل من صادفته. لديها رأي خاص في كل مناسبة، لم يحدث قط أن انساقت وراء رأي المجموع، فقط لأن الغالبية اتفقت عليه.
كنت لا أفهم كيف أنك الوحيدة في محيطي العائلي التي تمتلك رأياً فردياً. وصرت أنا ممن ينادون بالآراء الفردية. ليس أخطر من التفكير بصوت المجموع.
من مكتبتك تعلمت أقرأ. تاريخ فرنسا وروايات همنغواي وألمع أسماء العربيات، منها تعلمت أن أكتب. لن يخطر ببال أحد أن أرففها الثقيلة المليئة بالدين والعلوم ملك لربة بيت تطبخ وتعتني بصغارها وصغيراتها. كما لم أنفق في صباي الكثير على الكتب والروايات، كانت جاهزة وأمامي دوماً. وحين كنا ولازلنا نلتف حولها في ساعات العصر لتسرد لنا قصص استقلال شعوب العالم بطريقتها الأنثوية القوية، يخيل إلينا لبرهة أنها كانت تعيش تلك الأزمنة.
من مكتبتك اصطدت (أنا حرة) وأخذت أتبع نهج عنوانها المثير.
أفكر عادة بما كان سيحدث لو لم أتطفل على كتبك وأقرأ ما تقرئين. لو أني كنت بنتاً مطيعة للطفولة واكتفيت بماجد ولولو.
وأتساءل أني حين كنت أنشد الحرية، هل كنت أتحرر منك أم لأجلك؟
خشيت أن أتحول لحياة العطاء اللامحدود. عطاؤك الذي ليس له شبيه.
إنسانة واحدة لا تعرف أن تأخذ أبداً، لم يحدث ورأيتها تأخذ. هي أمي.
وتعلمين أني في بعض الأحيان كرهت الأمومة منك؟ جعلتني تضحياتك الجليلة أربط الأمومة بالفناء.
أنجبتنا وتخلت عن كل شيء، حتى عن الحلم. كان خيار أبي إما طموحها وإما نحن فاختارتنا. تركت العمل والحرية وتخلت عن الاستقلالية، اكتفت بأن تحكي عنها فقط.
كثيرا ما جرفتني الأفكار فظننتها قد ندمت على حياتها الأولى، وأنها تنتظر سفرنا أو زواجنا لتهدأ وترتاح من صخبنا.
لكنهما حين جلسا (وحيدين) على طاولة طعامنا التي أصبحت شبه صامتة بعد أن باعدتنا الحياة قليلاً عن حضن أمي.. أسمعها اليوم تقول لأبي: تلك سعادتي، كانت وأنا أراقب شجارات أطفالي وضحكاتهم على مائدة الغداء، تلك تريد الجلوس بقربي وآخر بقربك، كانت أذناي تطربان لسماع ذلك النزاع الطفولي الذي أرهقك.
لم أعلم قبلها أن أمي كانت سعيدة بشجارنا وضحكاتنا المرتفعة، حسبت أننا كنا نؤرق صحوتها ومنامها ونذكرها بماض سرقناه منها، لم تفصح يوماً عما يمكنه أن يسعد قلب الأم.
الأم التي لم تفرق مطلقاً بين تربية ولد وبنت..
أمي التي دفعتنا دفعاً ليكون لنا أحلام.. قالت إن العمل والسفر يكونان الإنسان.
ماما التي لا أذكر أنها عانقتنا بأيديها يوماً، لكنها حتى اللحظة تحيط أرواحنا أينما ذهبنا بهالتها الحنونة.
وأنا صبية..
كم كرهت شعري المعقود. وكم حقدت على ضفائري. كنت أحلم أن أنثر شعري في الهواء دون وثاق. حلمت أن أفك عنه الشرائط والألوان، أقسمت أني سأحله يوماً وسأفك كل رباط.
وبعدما حطمت حائط الممنوعات، وبعد لهاثي وراء موجة الأحلام.
اشتقت وأشتاق لضفيرة تجدلها أمي. بل ضفيرتان ترميهما على كتفي.
وحنيني مرير لمشط قديم كانت تؤلمني أسنانه.. لو أني تركتها لتغرس برأسي كيفما تشاء.
وأنا صبية..
كنت أجن حين تسألني متى تعودين وأين تذهبين.
'' لقد كبرت، وما عاد من حق أحد سؤالي''
أعود لنداءاتها، أصطنع الخروج فتتنبه: أين أنت ذاهبة؟ يغمرني فرح وأجيب: لا يهم، لن أخرج. سأبقى عند قدميك.


نادين البدير

كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=119858

* و منشوره ايضًا في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10021