الجمعة، 13 فبراير 2009

فالنتاين بمقاييس عربية


قبل أعوام عدة كانت بداية عهد الحب العربي بمفهوم الفالنتاين.. أصبح مثار جدل الجميع بين الحرام والحلال وأصله المسيحي وكارثة الدخيل والغريب على الثقافة العربية..
كيف يكون للحب عيد؟
لو أن الفالنتاين كان عيد معركة اقتتل فيها البشر لاستقبل بالأهازيج. مثل عيد الاستقلال.. مثل ذكرى الحروب.. وكل ذكريات بغض بشري.
لكن مسألة الاحتفال بالسلام العلني بين الجنسين توقظ مخاوف دفينة، وتقضي على إنجازات أبدعت بتأسيس ثقافة الشك والخوف تجاه الجنس الآخر كأقرب وسيلة للخلاص من اتحادهما..
لا أعلم إن كان المؤسس الأول ذكرا أم أنثى لكن ملايين النساء والرجال اتبعوه وسلكوا نهجه في كراهية النصف الآخر.
في منطقتي صودرت ولا تزال تصادر الورود الحمراء من كل المحلات، رغم أن ورودنا مستوردة ولا رائحة لها، لا يعود اللون الأحمر متداولا في يوم الحب.. كل ما هو مصبوغ بالأحمر القاني يتحول لبضاعة رائجة وثمينة في السوق السوداء. مجرد التفكير ببيعه أو محاولة اقتنائه يؤكد على تبعية البائع والمشتري للقديس فالنتاين..
وفي مصر دعا أزهريون لإيقاف الاحتفالات بالحب على طريقة الغرب والورود الحمراء.. دعوا الشرطة لتفريق المحتفلين ولو اضطرهم الأمر لإيقافهم ومحاكمتهم..
طالبوا بنشر الحب الذي يتناسب والشريعة. هل هناك حب إسلامي وحب مسيحي وآخر بوذي؟ أليس الحب شعورا عالميا؟
كيف يؤسلم الحب؟ ويمنح مقاييس شرقية أو عربية؟
هل توزع أشواك الصحراء بدلاً عن الورود؟
الكل يحذر من العيد الوثني.. هناك بقايا وثنية كثيرة في حياتنا.. صلوات وقرابين وطقوس حضارات مختلفة.. كلها بقيت إلا الحب استبعد.
إرث الحب لم يوافق أهواءنا.. صرنا محصنين ضده، بالأدعية، وبالمحاضرات والتربية وكل ما حولنا شدد على أن الحب خطيئة وثنية..
قبل أن يجرم المحبون ويوصفون بالهراطقة، كان الشاعر القديم يحترم محبوبته. وبعد أن صنف الحب ضمن الممنوع. كره المحب امرأته. صارت رمزا لخيانة العشيرة والتقليد والعرف. غدا الانتقام من مشاعرها واستباحة جسدها ورميه باسم الشرف أمرا مشروعا ومباحا.
كيف يمكن لرمال الصحراء الجرداء أن تحتضن الحب زمن الجاهلية وتعجز عن إنجابه زمن المدنية؟
* * *
أين يحيا الرومانسيون والرومانسيات؟ وهل هناك مكان لأحلامهم على الأراضي العربية؟
هل باستطاعة المواطن المقموع أن يحب.
هل للسياسة دور في إحياء الرومانسية أو إطفاء ذكرها؟
انشغل السكان بالأساسيات.. بالفقر، بالمرض والتفكير بإشباع الغرائز الأولية. صرفت الغالبية عن التفكير بالسياسة والحب والفنون. تلك كماليات خاصة بالارستوقراطيين. أما الغالبية فتصنع الجنس ولا تمارس الحب.
إذ كيف يحب مقيد الفكر؟
كيف لأوامر الحب أن تصدر من عقل معطل؟ عقل خائف حد الموت.. من جسد مرتعش، من نفس مقهورة وقلب مطحون..
قصص الحب الحقيقية لا تنجب في مناخ مسجون، إلا ان كان أبطالها ثواراً.
الحب وليد الحرية..
* * *
حالة حب
هي بالمجمل شيء ما يسري بالصدر ولا يمكن تفسيره، ما يعلمه المرء فقط أن حياته ستكون أجمل بجوار هذا الشخص بالتحديد بتفاصيله الدقيقة.. طريقة سيره ونكاته وشعره المنكوش عند الاستيقاظ .. حتى التفاصيل الحياتية الصغيرة يصبح لها معنى آخر بوجوده.
شوهها العلماء حين وضعوا تفسيرا علمياً لها..
ظاهرة كيميائية تنشأ في داخلنا.. نصادف شخصا فتتجمع المشاعر في العروق. ويقوم الأدريناليون بتسريع خفقان القلب، ترتجف الأطراف، ويرسل العقل إشارته لجميع الأعضاء لتتصرف على غير عادتها.. يفرز الجسم والدماغ مواد كيميائية تجعلنا نشعر بالراحة والاطمئنان والسعادة والأمان.. تلك المواد تسبب إدمانا حين يعيشها الإنسان، لذا يشعر بالضياع والخوف حين يبتعد الحبيب.. فالدماغ قد توقف عن إفراز الاندروفين وغيرها من المواد التي كانت تسري في الأعصاب والدم ..
حالة الحب علمياً هي تغييرات هرمونية لا أكثر ولا أقل..
واعتقد عدد من الفلاسفة والعلماء بأن هناك ذرات متناثرة في الكون تبحث عن بعضها البعض حتى تلتقي وتتكامل ويحصل عندها ما يسمى بالتوازن الكوني.
وفي حال توافقت الروح مع الجسد يحدث الحب الأبدي..
ولا أعلم ماهية الحب الأبدي.. فلم نعاصره خصوصا هنا.. كل أنواع الحب موقتة زائلة.. وتلك التي دفعت أصحابها للارتباط الاجتماعي تم اكتشاف زيف عدد كبير منها لأن الخيانة إرث اجتماعي طبيعي، والتقاء الذرات المتناثرة ولا أسهل..
كثير من السيدات عرفتهن قبل زواجهن، كن يحتفلن بالفالنتاين بكل سعادة وبعد الزواج بسنوات عدة صار عيد الحب محرما برأيهن ومن مخلفات الجاهلية.
تجمع كل شيء في البداية.. الهرمونات، المواد الكيميائية، الخفقان المتسارع، الانجذاب الكيميائي عدا شيء واحد لا علاقة له بالتغييرات الجسدية وفهم العلم لها..
إذا كان الاحترام والإخلاص هما أساس العلاقات فمن يتقن فن الاحترام.
هل يقبل الشرق أن تتحد الأجساد والأرواح، أن تنشر قيم الإخلاص.. الشرق الذي يحرض على تكفير الحب.. ويعادي الطبيعة فيعتبر التغييرات الهرمونية أمرا محرما تجب الوقاية منه ومن أسبابه.. هل يقبل أن تحترم الحبيبة؟ أم أن تنتهك كرامتها؟
وإلى كم حبيب يتسع قلب الشرقي أو الشرقية؟
بعض العلماء يعتقدون أن حال التغيير الهرموني صعب أن تحدث إلا حين يعاني الإنسان من فراغ عاطفي وهذه الفرضية تمحو إمكانية حدوث الحب بمعناه العلمي مرات عدة في آن واحد. قد يمنحنا الفالنتاين القدرة على التمييز بين الحب والإعجاب الموقت.. بين الحب والصداقة. بينه وبين رغبة جسد جامح. بين الكيمياء الموقتة وبين اتحاد الأرواح والأجساد.
سيهنأ اليوم بالفالنتاين من يعيش حالتي الحب والاتحاد الكاملين.
وهناك من سيقضي العيد وحيداً.. وهناك من سيقضيه بأداء تمثيليته السنوية الروتينية.. هناك من سيعترف باضطراباته الحبيسة.. بارتكابه أسخف السخافات لأجل رفيق درب لم يشعر بوجوده بعد.. وهناك من سيقرر مباركة حالته برباط مقدس..
حتى وإن مر العيد عليك وحيداً.. كثيرون يؤمنون بأن أسعد حالات الحب هي التي تكون خالية من أي مصالح وأي رغبات. الصداقة أجمل حالات الحب. حب الإنسانية. أي أن الحب بمعناه الواسع وليس الضيق يمكنه أن يعوضني عن حب رجل أو يعوضك عن حب امرأة.. طالما أن هذا الأخير ليس سوى هرمونات وذرات متطايرة قد تنضب بعد ساعة أو بعد سنة..


نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=111933

* المقاله منشوره في جريدة الرأي البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9641

الأربعاء، 28 يناير 2009

عيد مساواة سعيد


في مثل هذا اليوم ( الثامن و العشرين من يناير من عام 2006 ) ، ثم بث أولى حلقات برنامج مساواة الرائع ، و الذي تعده و تقدمه الإعلاميه الراقيه نادين البدير ، و التي إستضافت فيها الصحافيه و الكاتبه العربيه السعوديه إيمان القحطاني و عضو مجلس الشورى الدكتور محمد آل زلفه ، و كان موضوع الحلقه عن قيادة النساء للسيارات في المملكه ، أما آخر حلقه بثت فكانت بتاريخ العاشر من يناير و تمت فيها إستضافت الدكتور فاطمه الصايغ و كانت الحلقه عن اوضاع المرأه و الإصلاح الإجتماعي ، و قد تم بث إعاده لحلقتين سابقتين في يومي السابع عشر و الرابع و العشرين من يناير إحداهما مع الإعلاميه العربيه السعوديه هدى الرشيد . برنامج رائع بقيادة إعلامية شابه و متمرسه و شجاعه إسمها نادين البدير . 3 سنوات مرت علينا كنسمة الهواء . بلغ عمر " مساواة " 1122 يوم ، 13 ساعه ، 50 دقيقه ، و 23 ثانيه ( حتى كتابة هذا التقرير ) . و بلغ عدد حلقات هذا البرنامج الرائع 138 حلقه بدون الإعادات ( 161 حلقه متضمنه للإعادات ) .
لقد كانت ثلاث سنوات متميزه مع إعلاميه متميزه ، شكرًا لك يا نادين على هذا العمل الجبار الذي منحتينا من خلاله الكثير . ثلاث سنوات من التميز لشابة بدأت من تحت الصفر . ثلاث سنوات من الكفاح الصارخ . ثلاث سنوات من الإصرار حتى تربع هذا البرنامج على القمه . عيد مساواة سعيد يا نادين ، و كل عام و افضل كاتبه و إعلاميه في الوجود بألف خير .

كاتب التقرير :- سليمان الأمير





الجمعة، 23 يناير 2009

قمة العرب... الكويت


الكويت..
هذه ثاني زيارة إليها..
طرحت إعلامياً كثيرا من القضايا عنها. خاصة تلك المرتبطة بنسائها والاختلافات السياسية داخل مجلس أمتها.
تخيلتها مرة مدينة من نار.
تخيلت شوارعها ساحة تراشق بين أبنائها المختلفين في الآراء...
تخيلتها صاخبة كمجريات ما يحدث بين توجهات شعبها المختلفة.
لكن هذه المدينة أزاحت خيالي جانباً.
فليست الديموقراطية همجية. وليس كل أصحابها أشاوس.
تفاجئك هذه المدينة حين تجتاز نقطة العبور في المطار. كل شيء فيها يفاجئني.
أين يمكن أن يحدث هذا عربياً ؟
شوارع هادئة إلى درجة الصمت... رغم بركان من الحريات يغلي داخل ذرات اسفلتها.
السياسة لا تقتصر على الحكومة، والحكومة ليست السياسي الوحيد في الدولة.
الشعب له الدور الأكبر في صنع القرار السياسي.
تنتقد الحكومة. يستجوب الوزراء. يحاكم المسؤولون. ويبقى اسفلت الشوارع نظيفاً، لا يجري عليه من تجرأ على النقد ليلوثه بدمه.
تنتقد السياسات والسلوكيات ويتهم أصحاب الفساد بالفساد... وتبقى السجون خالية...
*
نساء الكويت لسن كالبقية...
القوة النسوية في الخليج اسمها امرأة نشأت على أرض الكويت.
تبهرك إرادتها دائماً. صلبة متحدية.
حين أسير في الكويت أشم رائحة قوة إناثها. هل سهل أن تكون المرأة خليجية وقوية في آن واحد؟ كيف وتنشئتنا تخبرنا بأن الضعف طريق لإغواء الرجل ؟
أتذكر شجاعة المرشحات عبر إحدى الفضائيات بعد انتهاء الانتخابات الأخيرة دون فوز أي مرشحة، كن يهنئن كل من فاز حتى من وقف ضدهن ويتمنين أن يكون فوزه تحقيقاً لخدمة الوطن... تلى ذلك مباشرة تصريح لأحد المنتسبين لتيار إسلامي يعبر عن سعادته بعدم فوز المرشحات، فالمرأة مكانها بيتها.
أيهما كان الأقوى؟
كل زاوية كويتية تحكي قصة ناشطة منذ القرن السابق إلى اليوم. هذه التركيبة الغريبة لامرأة شرقية من الخليج تحيا تناقضات الحياة العربية بأعاجيبها المختلفة، ورغم ذلك نجت مما سقطت فيه الملايين من العربيات. احتفظت بحقها في قول كلمة (لا).
هل للحكومة الدور الأكبر أم التنشئة؟ المدرسة أو الجامعة؟ هل أكسبتها الحياة السياسية أو المعارك الدائرة بين الإسلاميين والليبراليين قوة لا وهناً.
والسؤال الأهم هو إلى متى يمكنها الاستمرار في حياكة المزيد من الخطط التحريرية في ظل انحسار تلك الخطط واختفائها من معظم الدول العربية؟
*
كما الداخل الكويتي ليس كأي داخل تقليدي، فقمة الكويت لم تكن كبقية القمم...
كويت الحكمة... افتتحت العام باجتماع عربي فحضر الجميع، اتفقوا. اختلفوا ثم اتفقوا. المهم أنهم حضروا جميعاً وخرجوا ببيان.
أحلام العرب في التنمية كبيرة وكثيرة كبياناتهم التي لاحصر لها ينقصها أهم شروطها وهو التنفيذ... إصلاح التعليم واتفاقيات اقتصادية وتمكين المرأة والاهتمام بالبحث العلمي... أحلام عربية مديدة.
النكسات أحاطت بالقمة من كل جانب. أزمة اقتصادية، أزمة سياسية، أزمة ثقافية وأزمة هوية وأزمة اتفاق. العرب في مرحلة انهيار.
صدق سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الصباح حين وصفها في كلمته الافتتاحية بأنها قمة تاريخية... وهكذا كانت، تاريخية فريدة بالأحداث المؤلمة التي رافقتها وبالخطب المفاجئة التي تضمنتها وبالمصالحات المشرفة التي احتضنتها.
لكن الكويت المستعدة دائماً للأحداث السياسية، استوعبت الحدث العاصف دون أن تبدي أي تأفف. كل شيء سار على ما يرام ، بهدوء وسلاسة . بدأ كل شيء وانتهى بوداعة. بتنظيم، بدقة وأمن.
شوارعها، بحرها وجوها البارد المنعش، كلها بقيت على حالها. لم تتأثر بصخب الحالة السياسية العربية. بل تأثر الصخب بها وتحول من نزاع إلى صلح يشفي غليل الطامحين إلى السلام. ويصد عداء الحماسيين للإنسانية.
الآن، بعد قمة الكويت، باستطاعة المواطن العربي الذي أصبح بفعل عامل الزمن مواطناً بسيطاً يفكر بالقشور فقط. ويمضي أيامه باحثاً عن قيادات ورموز. الآن باستطاعته تمييز القيادات...
هذا هو المهم في الفترة الراهنة. أن تحدد القيادات. فقد أصبح الفرد ينظر لبعض الفصائل والحركات العربية الهمجية ودول خارج محيطه الإقليمي بصفتها القائدة والدولة والحكومة... يستمع لأوهام. هبات من الأحلام... قادرون على شطب اسرائيل من الوجود بساعات. يبيع نفسه ويهتف لرموزها ضد حكومته وشعبه لأجل حلم ليس بحلمه فتباع قضيته الحقيقية برمتها.
الآن. قد توقف المصالحة وخطابا الرئيس المصري والملك السعودي كل حركة (سببت التفرقة بهدف الوصول لعرش السياسة باسم الدين والجهاد) عند حدها... فهناك حكومات يصدر منها القرار. القرار لا يصنع في إيران، ولا يصنع في الشارع... أولاد الشوارع لن يصنعوا قرارا سياسياً لصالح الشعوب بل دمارا كالذي حدث في غزة...
الآن يمكن القول ان قمة الكويت قد حققت نصراً... صلح العرب نصر.
ولتحرق كل رايات النصر الوضيعة التي رفعت على جثث أهالي غزة.
يصرح حاملوها بأنهم انتصروا. ما معيارهم للهزيمة إذاً؟
انتصارهم الحقيقي كان في مشاهد القتلى... هذا ما يجب أن تعترف به جميع الحكومات العربية خصوصا تلك التي كانت تزايد وتتاجر مع المقامرين بدماء أبناء غزة. الأيام المقبلة ستثبت مدى التزام تلك الدول بخلق دور عربي فاعل ومستقل وتحقيق مصالح شعوبهم لا أمزجتهم أو الاستمرار بتحقيق شروخ جديدة في الحياة العربية.
انتهت القمة. سعدت لحضوري مؤتمر صلح تاريخي...
انتهى اجتماع الزعماء. الكويت كعادتها هادئة. تثبت يوما بعد الآخر أنها تتربع على القمة.

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=107390

* المقاله منشوره في جريدة الرأي البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9430

السبت، 17 يناير 2009

حمام القيشاني يكشف عن رائدات منسيات

أتابع هذه الأيام على إحدى قنوات أوربت أجزاء المسلسل السوري (حمام القيشاني) وهو مسلسل يروي مرحلة زمنية حساسة جدا من التاريخ السوري..
القصة تصور أجواء الحارة التي دخلت معترك الحياة السياسية بشكل عفوي لينعكس الأمر على حياتها الاجتماعية وعلاقاتها العائلية. وتغطي الأحداث مراحل عدة سياسية منذ الاحتلال الفرنسي ونضال السوريين ضد الاستعمار ثم عهد الاستقلال وبدايات الدولة السورية، الانقلابات المتتالية ثم الوحدة مع مصر وكيفية نشوء نظام البعث وغيرها من التغيرات.
انعكاس تلك الأحداث السياسية على مجريات تفاصيل الحياة اليومية لأبناء وبنات الحارة هو أكثر ما لفت انتباهي في القيشاني.
كيف بدأت النساء دخول مرحلة التغيير الاجتماعي، كيف كن يستمعن عبر الإذاعة للأغاني الخالدة مثلما يستمعن لمجريات حركة تحرير المرأة. المطالبة بحقها في الانتخاب والتعليم وغيرها من المطالبات التي نطالب بها اليوم.
كيف كانت النقاشات تدور بينهن حول الحرية، حول أشهر التيارات السياسية... وليس أشهر ماركات الحقائب النسائية.
مشاهد تغطي ارتياد الفتيات للجامعات، بدايات الاختلاط، بدايات عهد الزمالة الجامعية بين الطالب والطالبة. تعارف الشاب على الفتاة قبل الزواج.
تتوالى أحداث المسلسل فتقرر (عنايت) المرأة الشعبية المطلقة المدللة التي كانت تتزوج من أثرياء في عمر والدها، أن تكمل تعليمها فتصل للمرحلة الجامعية وتنضم للمذهب الشيوعي الدارج آنذاك وتصبح مهتمة بالسياسة... تنزع عنها الملاءة السوداء وترتدي وتفكر بصوت حر مستقل بعيدا عن تشنجات التقاليد وعادات الحارة الخانقة.
يصور المسلسل شبان وشابات جيل ماض أصابهم هوس الوطنية، وحاولوا اتباع مذاهب وتيارات فكرية مختلفة كل منها يعتقد أنه الأصلح للمجتمع. في الوقت ذاته الذي يصور الرعاع الذين تحولوا إلى جهاز المخابرات.
أعتقد أن القيشاني قد تم تصويره في أوائل التسعينات. ورغم براعة الدراما السورية اليوم إلا أن بعض المسلسلات كباب الحارة وغيره يؤكد أن هناك تراجعا في مضمون الرواية السورية منذ التسعينات إلى اليوم خصوصا تلك التي تصف الشام قديماً..
لا أحد يصف التاريخ السوري. المخرجون يعتمدون التسطيح، وهذا التسطيح يعجب المشاهد. مثلما أعجبه نور ومهند..
الشعب العربي المنهك اليوم يبحث عن قصة خالية من القصة، يريد تفاصيل بسيطة، أهم ما يلفته هو البساطة في العمل.. دون تعقيدات.
يقول الممثل السوري أيمن رضا معلقا قبل أشهر عدة ان بعض الأعمال الشامية شوّهت تاريخ دمشق.. يقول «كل عمل يتناول تاريخ دمشق من خلال الشوارب وخناقات النسوان وحكاياتهن أنا غير راض عنه، وعملي فيه لا يعني أنني راض عنه وأنا منذ عامين لم أعمل بسبب هذه الحالة»
رغم أنه شارك في رمضان السابق في أربعة أعمال تنتمي لدراما البيئة الشامية. قد يرغم الفنان على أداء عمل غير مقتنع به، لأن وجوده على الساحة أمر مهم بالنسبة له..
انتقد رضا الأعمال التاريخية السورية فاعتبرها «سخيفة» و تصلح لفقرة «أخطاء وعثرات». وقال «لا أشارك في الأعمال التاريخية لأنها لا تمسّـنا ولست مضطراً لتحمل فكرة العمل فيها من أجل فكرة سخيفة الجمهور نفسه غير مقتنع بها».
باب الحارة نجح في تعليمنا كيفية عمل الكبة وكيف يكون الإنسان عنتر زمانه، القبضايات والرجولة من جانبهما الخفيف التافه. العصبية... الخوف من كشف اسم المرأة أمام الغريب..
لماذا تعاد تلك الحكاية التي قاومت مناضلات العشرينات ضدها؟
لما تعاد اليوم بهذا الشكل الإيجابي المحبب للنفوس...
لأن المجتمع العربي يريد أن يرى امرأة كامرأة باب الحارة تدارى خلف ملاءتها، ليس لها وظيفة في البيت سوى الدعاء لحارسها وسبب حياتها. لم يعد المجتمع مؤهلا لرؤية جاهلة تكمل تعليمها وتنزع عنها الملاءة... لم يعد مؤهلا لرؤية (عنايت) وهي ترفض في حمام القيشاني عريسا (لقطة) لأنه طلب منها أن تتحجب.
لم يعد يستوعب (أميرة) المتعلمة المثقفة وهي تجيب أخاها الذي عاتبها على طلاقها من ثري عربيد ورجعي قائلة: سأعود لأتبحر في العلم. أخطأت حين تزوجت من جاهل، هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون؟
ذلك هو ماضي العربيات زمن الثورات.
وهذا هو حاضرهن في زمن التراجعات.
يتحولن يوما بعد الآخر لنساء باب الحارة حيث اللاكلمة واللاصوت واللاقيمة...
هل سيجاري المخرجون الحال العربية العامة (النائمة ) أم سيعمدون لتغيير الحال واطلاع الأجيال الجديدة التي يزداد تسطيحها يوما بعد يوم (بفعل الإعلام وبفعل الدراما وبفعل العائلة) على أجيال شابة كانت عميقة في تفكيرها لدرجة خلدها معها التاريخ.


نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=105709

* المقاله منشوره في جريدة الرأي البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9344

السبت، 10 يناير 2009

قالت تركيا كلمتها

صرح رجب أردوغان « أنا زعيم لأحفاد العثمانيين»...
انتقد رئيس حزب العدالة والتنمية ما تفعله إسرائيل واعتبره عدواناً.
رد على رؤيتها تجاه موقفه العاطفي: أتحدث بالسياسة وليس بالعاطفة، وإذا كان علي أن أفعل ذلك فسأتعاطف مع أهل غزة».
وصف حاكم الدولة العلمانية الهجمات الإسرائيلية بأنها وصمة عار في جبين الإنسانية وبقعة سوداء في صفحات التاريخ.
قام حاكم الدولة التركية (التي ينكر حكمها الكافر الكثير من المسلمين) بتذكير إسرائيل «استقبلنا أجدادهم وقدمنا لهم المساعدة والحماية، وعليها أن تحترم الحقوق الإنسانية التي عانى في سبيلها هؤلاء الأجداد».
تركيا الدولة العلمانية وقفت إلى جانب غزة، ليس لأن حاكمها ينتمي إلى حزب العدالة ذي الجذور الإسلامية، إنما لأن الإنسانية اقتضت ذلك... مثلما اقتضت الإنسانية بالنسبة لها استقبال اليهود في السابق.
موقف العرب من ذلك...
العرب حاربوا العثمانيين وحلموا باستقلالهم عن حكم طرابيش استانبول، ثم غضبوا من أتاتورك لأنه حارب العثمانيين وألغى الطربوش، ثم حلموا بعودة العثمانيين بعدما استعمرهم الغرب واستعمرتهم أنفسهم... ثم حاربوا علمانية تركيا، ثم امتدحوا تركيا المدافعة عن غزة... أصبح الموقف الرسمي التركي يمثل للكثير موقفا إسلامياً مشرفاً...
*
تذكرت تركيا.
في استانبول تنتشر ملصقات لصور مصطفى كمال أتاتورك في كل مكان... الحداد يقام عليه في كل نوفمبر منذ سبعين عاما، الشباب والشابات أكثر المعجبين به حد الانبهار...
أتاتورك الغى الخلافة الإسلامية وحرر تركيا. أقام نظاما علمانيا استمرت أسسه إلى اليوم... فتركيا تفصل الدين عن السياسة. ولأنها تفصل الدين عن المؤسسات السياسية، كان باستطاعة المجددين الإسلاميين المعاصرين إذابة جليد الإسلام السياسي وإحلال إسلام معاصر وسياسة معاصرة لا تنكر الأخلاق والدين بل تحميهما... بالوصول إلى نهج جديد، علماني يحمي التراث ويقبل على الغرب ويفصل الدين عن الدولة والسياسة لكنه لا يفصل الدين عن المجتمع...
نهج يؤمن بأن الدين تجب حمايته من تقلبات ومزاجيات الساسة وتغيير مبادئهم واتفاقياتهم...
وفي دول إسلامية أخرى تربط الدين بالدولة... تخضع المبادئ الدينية الراسخة لتقلبات أمزجة سياسية... هكذا يهان الدين في عدد من الأنظمة التي تكفر بالعلمانية.
في تركيا العلمانية، وعندما يحين ميقات الصلاة... يصدح الآذان... منابر المساجد لا حصر لعددها... أصواتها تأتي من كل مكان... تملأ السماء بتكبيرات بدء الصلاة... أصواتها تسعدك روحيا على ضفاف البوسفور.
تغمرك العلمانية بإيمان لا أشعر به في أي من العواصم العربية...
*
تذكرت الدكتورة ابتهال الخطيب. كانت ضيفتي بإحدى الحلقات. من النساء، وحدها ابتهال سمعتها تقدم مفهوما عميقا لفكر العلمانيين... قليلات هن الخليجيات اللواتي يعترفن بعلمانيتهن صراحة...
لأن الفكرة العامة عن ذلك المذهب هو أنه مجموعة مبادئ سترهق المجتمع بانفلاتها وستدفعه نحو الحضيض ، سألتها: هل تقبلين لابنتك أن يكون لها صديق بالمستقبل (بمعنى حبيب كما في الغرب)؟
قالت : لا أرفضه بشدة.
قلت لها: الناس ترى بالعلمانية حرية.
ردت الكاتبة المحافظة : الفكر العلماني لا يفرض نمط حرية معينا على المجتمع، العلمانية فكر سياسي وليس اجتماعيا يفصل الدين عن الدولة لكنه يكفل وبشدة الحريات للجميع أهمها الحريات الدينية...
*
تركيا نموذج يقتدى به لدولة شرقية عصرية ...
أما الأخلاق فمحال أن تفرض فرضاً بل تعتمد على درجة إيمان الأفراد بها... لذا يمكنك بسهولة إيجاد أشنع التجاوزات الأخلاقية في أشد الدول تمسكا بالتقاليد الإسلامية وأكثرها ربطا للدين بالمؤسسة الرسمية...
فمتى نتخلى عن أحلام العظمة التي لن تتحقق يوماً ونحاول السير على خطى أكثر واقعية لنتمكن أقله من الحياة كالبقية...

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=104035

* المقاله منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9271

الجمعة، 26 ديسمبر 2008

عمرنا الافتراضي أقصر مما نتخيل


نتزوج مبكرا، نطلق مبكرا، نتقاعد مبكرا، وتنتهي أحلامنا مبكراً فنموت مبكرا ولو استمرت أنفاسنا بالصعود والهبوط...
نحب الأشياء سريعاً ونكرهها سريعاً، وهوسنا إنهاء العقود سريعاً... عقدنا مع الحرية، مع الحياة، مع العقل، كل ما حولنا له عمر افتراضي يموت وينتهي في يوم سريع المجيء.
ليس هناك قيمة لذوي القيم الحقيقية، ليس هناك أهمية لأصحاب التجربة والقصة الطويلة. تبدأ الحياة شابة سعيدة وتنتهي كهلة تعيسة.
الأعمار المفضلة الصبية الفتية، البكر التي لم تعارك الحياة بعد.
الأعمار المنبوذة الكهلة العريقة، الناضجة التي عرفت شيئاً عن أسرار الكون.
العجوز: هو العاجز عن الحركة وعن التفكير وإن كان شابا في العشرين، لكننا نمنح صفة العجز لرجال ونساء في قمة العطاء، المعيار هو عدد سنوات العمر.
- ينتهي عمر الزوجة بوقت محدد، تنتهي قدرة المرأة على العطاء فور انقطاع دورتها الشهرية.
نهاية عهد الإنجاب يعني بداية عهد آخر داخل نفسها وخارج حياتها المألوفة. اكتشاف حياة جديدة كانت مشغولة عنها بمحاولة التوفيق ما بين مسؤوليات العمل والأطفال.. لكننا نقبرهن أحياء، نعاقبهن على سنن الكون فننهي عقد خدماتهن مبكراً.
- تنتهي حاجة المجتمع للرجل فور وصوله سن التقاعد، خبرته. تجاربه. علمه. محصلة خرج بها من دنيا العمل. كلها تذهب هباء. مصيره وحيداً، بعيدا عن صخب المهنة، مصيره اكتئابا وحزنا وانتظارا للنهاية..
- ينتهي عمر المذيعة بانتهاء رونقها..
كثير من القنوات العربية تختار المذيعة بصفتها الحسناء الشابة لا بصفتها الإعلامية، الجمال له دور محبب على الهواء، نحن في منطقتنا الفضائية نمحو الدور الإعلامي ونبرز المقومات الشبابية... نتناسى أن مهنة كشف الحقائق مهمتها أبدية...لذا تخرج المذيعة من حلبة المنافسة حال يبهت جمالها وتتقدم بالسن.
- في مدينة كدبي لا يعد مشهد كبار السن مشهداً مألوفاً... معظم السكان هم في عمر الشباب... وحين يفتقر المكان لطاعنين في السن، تخلو الأجواء من معالم الأمان.
- يرمى أثاث المنزل فور انتهاء موضته... نحن لا نتعلق بالأشياء تماماً مثل إهمالنا للإنسان... لا نتعلق بما لمسناه يوماً، لمائدة جمعتنا يوماً. مثل إهمالنا للإنسان.
- كل شيء بالنسبة لنا جسد سيتفتت يوماً أو نميته غصباً.
* حين تنتهي مدة حكم الرؤساء في العالم الذي يصدر أنواع الحضارة، لا يجزع الرئيس، لديه خطط جديدة. يؤلف الكتب... يحاضر في الجامعات... يؤسس جمعيات حقوقية، أو يسافر ليزور ويطمئن على راحة الشعوب الفقيرة..
ولأن الأمان منعدم هنا فإن رؤساءنا يتمسكون بالكراسي، مثلهم مثل تمسك أصغر موظف في الدولة بوظيفته... ليس هناك أمان مستقبلي. وهل من حق خريف العمر أن يملك الأحلام والإبداعات؟؟ تنتهي الرئاسة فيمحى صاحب المنصب من الوجود ويمحى دوره. تمحوه الثقافة القاصرة. قد يأتي ذكره صدفة فيتساءل أحدهم/ أين هو الآن...
عموما ليس هناك رئيس عربي نجهل مستقبله بعد انتهاء عهده فغالبيتهم لم يتركوا العروش سوى بأمر القدر، وأضرحتهم عناوينها معروفة..
لكن لا مجال للسؤال عن مستقبل بيل كلنتون نجم المحافل الدولية الذي زاد نشاطه بعد انتهاء رئاسته... واتضحت له أدوار جديدة في الحياة..
لا أحد يجهل مصير مهندس النهضة مهاتير محمد صاحب شعار (ماليزيا تستطيع) استمر بالمشاركة السياسية بعد انتهاء فترة رئاسته، يقدم المشورات للبلدان النامية... محاضرات ومؤتمرات وحضور وحياة لا حدود لها.
* في أحد المقاهي ببلدة أوروبية صغيرة، شاهدتني وحيدة أخرى على طاولة مجاورة... اقتربت وبدأنا نتحدث.
كانت بعمر الخمسين... جاءت إلى البلدة لتعزل نفسها قليلا عن وسطها المعتاد لتركز فيما تريد فعله الآن بعد تقاعدها... قلت لها هل ستمضين في السفر والترحال... قالت: من أين لي بالوقت، علي أن أبدأ بالعمل. أدرس الآن لأحقق حلماً راودني منذ الطفولة وهو حلم الإخراج... في الخمسين وتستعد لتكون مخرجة تلفزيونية... حاولت وقتها ألا أتذكر غالبية نساء الخمسين هنا...
وسواء استطاعت تلك السيدة الأوروبية أن تدخل مضمار مهنة جديدة أم لم تتمكن، فالمهم أن لا حواجز تقليدية أو سخرية مجتمعية تمنعها من الحلم... قالت لي «الله يمنحنا الحياة لنتشبع منها كلياً... والمحظوظ فقط هو من يملك عددا من الأحلام، والأكثر حظا هو من يكتب له العمر لتحقيقها، وأنا كتب لي العمر فيجب أن أستغله... ليس عندي ما يعطلني، خاصة بعد أن تزوج ابني الوحيد».
فحيث المكان الذي لا يعترف بفصول العمر، بل يبقى العمر فتياً يعيش فصلا واحدا هو الربيع والألوان... حيث المكان الذي يسمح للعمر كله بأن يحلم.
هناك لا ينجبون الكثير من الأبناء. لديهم جولة حياتية جديدة تنتظر خبرتهم ونضجهم المستقبلي... وعند العجز لديهم ضمان اجتماعي يغطي نفقاتهم.
على عكسنا. نحلم بإنجاب المزيد والمزيد من الأطفال، الأمان الذي سيحيطنا في الكبر بعدما تلفظنا الجماعة.
* في الوقت الذي يظهر به صغار السن في معظم الإعلانات التجارية للترويج عن بضاعة لن يروج لها سوى الجسد النضر والبشرة الفتية وسنوات العمر القليلة، كان هناك إعلان تجاري جديد لشركة Damac يصور رجلا وامرأة في ربيعهما الستين، يقفان متلاصقين على سطح مركب وذراعيهما تحيطان بعضهما.
هي تنظر إليه وهو ينظر للأفق، للمستقبل.
أيا كان مغزى الإعلان، فهل سيسمح لي بالستين أن أنظر للمستقبل؟ أن يحيطني بذراعه دون خجل، أن أحلم من جديد، وأن تتوالى الأحلام كما توالت في سن الشباب.

نادين البدير
كاتبه و إعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-

http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=101185

* المقاله منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9119






الجمعة، 21 نوفمبر 2008

البحث عن فضيحة.. وشعوب لا تكذب لكنها تتجمل

غافين نيوسيم عمدة أكبر مدن كاليفورنيا، كان عن حياته الخاصة ريبورتاج بأحد البرامج الأميركية.ولأنه مسؤول غربي فحياته الخاصة معروضة للتداول أمام الملأ.. كان توسنم وقت عزوبيته رجل أحلام النساء.. مسؤول رفيع، شاب ثري وسيم ومثقف له حضوره المتميز..بإحدى فقرات الريبورتاج، يظهر نيوسم برفقة زوجته الأولى مذيعة ‘’فوكس نيوز’’ الجميلة.. قبل أن يتم الطلاق ليظهر بفقرة أخرى برفقة صديقته عارضة الأزياء والنادلة.عدة نساء توالين على حياته العاطفية التي كانت حديث الصحف لشهرة صاحبها ووسامته.فجأة وأمام عدسات الكاميرا يقف نيوسم ليعترف لمجتمعه الغاضب بعلاقته العاطفية مع زوجة مدير حملته. قال في النهاية: ندمت وأعتذر لكم عما بدر مني من خطأ.هل يأتي يوماً يخرج علينا مسؤول عربي رفيع بمثل هذا الاعتذار؟هو لم يكذب خبر العلاقة حين تداولته الصحف ويقول: إشاعة. لم يعتذر عن الخيانة على انفراد مع مدير مكتبه، نشر الفضيحة واعتذر أمام الشعب كله، ووصلنا الاعتذار عبر الإعلام فبدا اعتذار عالمي.قد نسمي ما فعله سلوكاً أخلاقياً يدل على احترام المسؤول الحكومي لأفراد مجتمعه، أو نسميه رجل خان رجلا أخلص له.. تعتمد التسمية على رؤيتنا للأمور.حين يتابع المشاهد العربي، وعلى الأخص النساء، الحدث السابق. تبدأ دعواتهن بأن الحمد على تماسك المجتمع العربي وأخلاقياته، وتطلق اللعنات على (هالمجتمع الأميركي إللي يخون فيه المسؤول صاحبه). ولا يشير أحد لمسألة الاعتذار، وللتطاول العلني على شخص المسؤول، ولنشر غسيله في الصحف والمجلات مدعماً بالصور واللقطات وجره لزاوية الندم وطلب الصفح.ولا يقارن أحد بين مسؤولينا ومسؤوليهم.أشرت للنساء، لأن النساء العربيات أو الخليجيات إجمالاً يشكلن ظاهرة تاريخية اليوم.. ردة فعل لم تحدث ولن تتكرر. كل شعوب العالم طالبت بالحرية، حلمت بها، ماتت من أجلها، إلا نساءنا العربيات.. تولعن بالبقاء عند خط اللاحياة واللاموت وحسبنه نمط عيش حميد.يشتمن أخلاق الغرب، وعدد كبير منهن قد تعرضن لخيانة بشكل أو بآخر، ولم تنعم إحداهن بطلب الصفح يوماً ما ولو حتى بكلمة اعتذار بسيطة.جرب وتحدث أمامهن عن الحرية.. سيتكشف لك تعريف جديد لها، فالحرية التي عرفتها البشرية على أنها أسمى المبادئ.. تعرفها نساؤنا على أنها السقوط بذاته.صحيح أن الحكومات استعانت بالمساجد التي استعانت بدورها بوسائل الإعلام والتلفاز لعرض مواد وبرامج تحذر كلا الجنسين من الحرية، تحذر من مخالفة ولي الأمر، تلقي الرعب في القلوب وهي تصور مشهد تفسخ الشارع العام حين تنتشر المساواة، تشغل الأفراد عن السياسة والفلسفة بقضية واحدة مصيرية هي كيفية حجب النساء. لكن المفترض مع معدلات التعليم المتزايدة أن يكون هناك حد أدنى من الوعي قد تشكل لدى المواطن يجعلها تميز وتعرف الأفضل لها كما تراه هي لا كما أرادوها أن تراه..إلا أنها ثقافة تمجد التبعية ومحو الهوية.حين كان الرئيس الاميركي أوباما يحقق أمجاد الفوز وقت الانتخابات، ملأت صور رائدة الحقوق المدنية المرحومة روزا باركس وسائل الإعلام بمناسبة وصول رجل ملون للحكم. كانت أول سوداء تخرق قانون التمييز. تذمرت على وضع السود في المقاعد الخلفية لحافلات النقل، أشعل تمردها شرارة عصيان أدت لإنهاء التمييز العنصري. شرارة أوصلت رايس للخارجية وأوباما للرئاسة. يشمت العرب: انظروا عنصريتهم القديمة، ارتكبوا أبشع المجازر الأخلاقية بحق السود، ويأتون اليوم لينشروا المساواة في الشرق الأوسط.ولا يشير أحد لمسألة الاعتراف بتلك المجازر، هم يعتذرون عن ماضيهم.. ينشرونه، يعيدون نشره حتى يحفظه الأفراد عن ظهر قلب، يتذكرونه كل دقيقة كيلا ينسونه فيتكرر الظلام ويعودون للوراء.. أقوى أمة تعرف أن الحفاظ على المركز أقسى من الوصول إليه.ليس مطلوبا أن نصدق نوايا الغرب تجاهنا أو نكذبها، ويتحول الحديث كلما بدأ إلى أطماع العالم في صحرائنا، لكن أن نحذو حذو خطوات وصلت للقمة وتريد البقاء هناك ليس كفرا ولا عاراً.شاهدت فيلما أميركيا يصور علاقة حب جمعت رئيس أمريكي في القرن التاسع عشر بزنجية سوداء يمتلكها، وقد انحدرت من تلك العلاقة سلالة سوداء موجودة إلى يومنا..كان ذلك الرئيس يمارس بشكل أو بآخر ما كان المسلمون يمارسونه من علاقات محلله مع الجواري.. لكن العرب لا يصنعون أفلاما عن الحياة الخفية للراحلين.. فذاتهم مقدسة، وصورة العظيم الذي جانبته الخطيئة طوال حياته هي المشهد الوحيد في الفيلم وفي كتب التاريخ.****حتى تحافظ أوبرا وينفري على بنات جنسها من المآسي ، تكرر في كل مناسبة حادثة الاغتصاب التي تعرضت لها في طفولتها، هذه هي المسؤولية الاجتماعية والوطنية بحد ذاتها،، كم امرأة عربية مهتمة ألا تقع قرينتها فريسة اعتداء،، جل ما يهمها الفضيحة. والفضيحة ليست سهلة عند العرب.. الفضيحة تعني تشويه السمعة للأبد.. لكن كيف ستتمكن من حافظت على سمعتها سليمة أمام المجتمع من الحياة كريمة النفس سليمة السمعة مع ذاتها؟ تلك التي آثرت الاستسلام، وقعت ضحية لذاتها أكثر من كونها ضحية اعتداء رجل.وهذا الأمر ينطبق على المجتمع العربي الذي تنخره المشاكل العالقة ويصر على تنظيف سمعته أمام العالم.. دون الاهتمام بصورته أمام ذاته.التقدم يتطلب جهداً، البعض يسميه تضحية.. لكني لا أعتبر أي أمر نبذله في سبيل تحقيق الحلم تضحية..عموما ذلك الجهد المسمى (تضحية) يتطلب الاعتراف..اسم الكلمة المرادفة للاعتراف في العرف المحلي هي : الفضيحة.المواطنة الحقيقية تتطلب فضيحة.. بل مجموعة من الفضائح اليومية يغذى بها عقل المواطنين، لتكشف المشكلة، لتعرض على الجمهور. لتحل المشكلة وتنتهي من أساسها.لكن شعوب كالشعوب العربية تحب الستر وتكره الاعتراف وفي نفس الوقت لن تصمت، بل ستحول الفضائح إلى ملائح.. تجملها وتجعل لها بريقاً.. ولا يعد ذلك نفاقاً، أو تناقضاً.إنما هي شعوب لا تكذب ولكنها تتجمل..

نادين البدير
كاتبه و إعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-

http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=94062

* المقاله منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-

http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=8772