الجمعة، 1 مايو 2009

بلــــورة

الأحلام تعكس ثقافة الشعوب.
حلمتُ زماناً أنني أجربُ حذاءً. وفسرتْ السيدات من حولي الحلم..
الحذاء معناه عريس.
هل تدرج حقد النساء ليصل إلى ربط الرجل بالحذاء، هونت الأمر بأن يكون الحذاء تمثيل لموطئ قدم جديد عبر الزواج والانتقال للعيش في مكان آخر.
في نومها نزعتْ رفيقتي ذات ليلة عقداً من رقبتها، فقالوا لها إن فقدان زوجها بات وشيكاً.
ورأتْ مخلوقة أخرى ميتة تخبرها بأنها تتعذب في قبرها، فأرجع السبب إلى أنها كانت ترتب حاجبيها في حياتها. حزنوا عليها وأخذوا يرتلون لها الآيات لعل عذابها يهدأ أو يتوقف.
إنْ حلمتَ أنك ترقص، فيعني ذلك أنك ملعون، وإنْ حلمتَ أنك تغني، فقد ارتكبت إثماً كبيراً.
أليس هناك احتمال لحاجة عضلاتك للحركة؟ لأن تكون روحك الصافية قد أخذت تغني في منامك لتسعدك؟
التي تواظب على ارتداء العباءة ترى نفسها في المنام دونها، فيعتقد أن أمرا فاضحا سيصيبها ويهتك سترها.
وترى بلورة الأحلام أن مشهد امرأة تسير منحرفة عن الطريق يعني أن زوجها غير راضٍ عن سلوكياتها.
وحين انطلقتْ تســافر في حلمها وحـيدة خشيتْ ولجأتْ لصاحبة البلورة الشعبيـة، فرأتْ أن مكروهاً سيصيبها؛ لأن سفرها دون محرم حرام.
تفسيرات الأحلام كتفسيرات النصوص لا تخرج عن إطار الطاعة والتقاليد.
هل هكذا أفسر ما أراه في المنام؟ هكذا تختصر أرواح وعوالم وأنفاق خيالات بحكايات مشعوذة أو قصص تقاليد.
مَنْ هم المرحومون في الأرض الذين يحلمون أم الذين لا يعرفون غير عالم الملموس؟
لما لا أتوقف عن الحلم؟ يخبرني كثيرون أنهم لا يرون شيئاً في منامهم. لماذا أنا إذاً؟
ويقول العديد أن الأحلام رمادية، لكني أرى أحلامي ملونة بوضوح.
لا يلبث جفني أن يرى ظلمة حتى ينتقل رأسي لعوالم جديدة، وقصص عجيبة.
أدققُ دوماً، أتأكد أن ما يحدث ليس تكملة لأحلامي، بل من صنع الواقع.
وأحياناً أضطر لأن أدقق أكثر حين تختلط أحلام النوم الغريبة بأحلام اليقظة السعيدة بواقع تعيس. أيهما أختار؟ وأيهما الأصح؟
رأيتك بالأمس، كان عمرك خمسا وستين، وكان البشر يكافئونك لتأليفك قصيدة معروفة وقديمة جداً، لكنها ليستْ لك.
لماذا أتيتني. أعلم أن لي يدا في جلبك وإلا ما كنت تجرأتَ.
كنتَ على مسافة ياردات مني، عجبت كيف ابتلعت الدنيا عشرين عاما منك دون أن أعرف، أخبرني أناس حولي لم أصادفهم يوما أني لم أكن أدرككَ جيداً حتى أني لم أدقق يوماً لأعرف أن شعرك أبيض بامتياز، ونظرتُ إليك أتفحصك للمرة الأولى وألحظ فارق العمر بيننا.
وكيف لم أعلم أنك تكتب شعرا، كيف لم تخبرني أن القصيدة المعروفة كانت من تأليفك، وأنك تحيا منذ ذلك الزمن، لهذه الدرجة كنت أجهلك.
هل يقل التقاء الأرواح قيمة عن التقاء الأبدان؟
تهتُ بين أن أفرح كعادتي؛ لأنني التقيتك كما أقابلك دائما في زحام الدنيا دون أدنى موعد. ألذلك أهواك؟ هل أحمل في داخلي بعضا من رجل لا يحب أن تلاصقه امرأته؟
وتيه بين أن أفرح؛ لأني اكتشفتُ بك حقيقة قد تبعدني عنك؟ تنسيني إياك؟ كذبك. أيكفي أن أعرف سنوات عمرك، وأعرفك شاعرا كي أنساك؟
وكيف تريدني البلورة الشعبية أن أراك، حبيباً في الأربعين أم أباً في الستين، أم أنها لا تملك في دستورها نصاً لحالتنا الخارجة عن التقاليد؟.

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=129441

* و منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10464

الجمعة، 10 أبريل 2009

بحبــك يا حمــار

ليس ''حمار الحكيم'' الذي فلسفه توفيق.
بل ''حمار الصغير''.
حماره دخل أبيات الأغنية العربية التي دافعت عن وجوده وعن حقه كحيوان من خلال أداء سعد الصغير؛ حتى صار للحمار نصيب عالٍ من حصة الأغنية الشعبية في سوق المستمعين الذين زاد توجههم في السنوات الأخيرة نحو الأغنيات المعتمدة على استفزاز الأذن قبل التقاليد الفنية. بالكلمات والحركات والأزياء عدا الألحان.
الحمار أثار أزمة. ترددت أخبار عن أن شعبان عبدالرحيم لم يصمت إزاء أغنية (بحبك يا حمار)، فقام بتحذير سعد الصغير من التمادي بحب الحمار في الملاهي الليلية وعلى المسارح؛ لأنه (أي شعبان) صمم على إهداء أغنية للحمار قبل سنوات عدة (أنا بحب الحمار بجد مش هزار)، ويتهم اليوم سعد بسرقتها، وبعد تنافس المطربين على اكتساب ود الحمار حظيت أغنية سعد الصغير بحفاوة شعبية ساحقة.
لكل عصر فئته الشعبية الخارجة عن السائد. ملابس رثة وألفاظ لم يعتدها العرف. سعد وريكو وكثير من المغنين قد يكونون ضمن هذه الفئة.
في العادة تترك تلك المجموعة أثراً أو تحدث تغييراً، فطالما أنها أحدثت ضجيجاً في وقتها، فهي وإن انتهت أو اختفى بريقها سريعاً مثلما ظهر، إلا أنها خطوة أو زاوية من زوايا المستقبل.
ثورة اجتماعية؟ أم سقوط فني؟
في مظهرها لا تبدو الأغاني الجديدة ثورة اجتماعية، قريبة هي إلى زعيق أولاد الشوارع.
وليس التأقلم مع تلك الأغاني ممارسة للانفتاح على كل ما هو جديد وعصري، التأقلم والعصرية ليس قبول كل شيء، وأي شيء.
حين ظهر ''الهيبيز'' في الغرب ارتدوا ملابس تتحدى الذوق العام في تلك الفترة، واعتمدوا المظهر البوهيمي ومارسوا أنواع الإباحية، واليوم يعتقد الكثير من هيبيز الماضي أنه ليس من داع لاستمرار ذلك النهج الحياتي المتخبط بعد انتهاء الثائرين من تنفيذ مرادهم. فبعد الحرية العشوائية المؤقتة دعت الحاجة إلى الاستقرار عبر الحرية الواسعة المنظمة والمسؤولة.
واليوم يزعم نجوم موسيقى الروك (المتهمون بعبادة الشيطان) أن لديهم رسالة يوصلونها من خلال ألفاظ ينتقدون فيها مبادئ لا يريدونها، ولإثبات سلامة أهدافهم يشاركون بالأعمال الخيرية العالمية، وقد طالب أهم نجوم الروك زعماء العالم بتخفيف أعباء الديون عن المنطقة الإفريقية المنكوبة، وعملوا بجهد كبير لكبح داء الأيدز عن الانتشار هناك.
إذا كانت الأغنية طريقا قصيرا لإيصال رسالة، فهل يملك المغنون المصريون واللبنانيون الجدد مشروعا مجتمعيا أو سياسيا؟
واحدة تتغزل بالحصان، وآخر بالحمامة، وثالث بالعنب، وهناك من تنتظر دورها على ''الرووف''.
الموضة الجديدة هي التحول إلى دائرة الحيوان والنبات، الموضة التغني بجزمة بوش والحنطور.
هل من ضمن المشروع تشويه الموسيقى، وتعليم الفراغ.
هل الأغنية انعكاس لثقافة الأفراد؟ أم أن الأغنية هي التي تصنع الثقافة؟
جزء كبير من الثقافة يتشكل اليوم عبر شاشات المنازل. يستقبل الفرد كلمات لم يعتد أن تدخل منزله، لكنها تعجبه أو ينصت لبرنامج ديني يتدرج حجم تطرفه بين البسيط والمعقد، وكلها تصب في الزاوية ذاتها.
في كل مرة تناقش بها أوضاع الفن يتردد لفظ (العري) آلاف المرات وتهمل الألحان، كلمات الأغاني، مستوى المطربين.
المسألة ليست في العري أبداً، وكأن العري شيء جديد على الفرد العربي.
كانت الراقصات في الأفلام القديمة وحتى الممثلات يرتدين ملابس كاشفة جداً لم تقم بارتدائها أي مطربة اليوم، ولم يكن المجتمع العربي يكتبه أو ينتقده ويهاجمه.
حالة الجسد المكشوف هي حالة قديمة ومعتادة.
كان الجسد شبه العاري مكملاً للروح الموسيقية متعانقاً معها. كان الجسد مكشوفاً بوقار. اليوم تؤدي الموسيقى دور الكومبارس الذي يقف خلف الباحثات عن الثروات.
وفي بعض المقطوعات، اجتمع لحن ملائكي منزل من السماء مع أجساد الإناث وصوت فريد الأطرش المستحيل لتتشكل لوحة إنسانية نادرة، كما في أغنيته الربيع الذي نعيشه هذا الشهر.
وأنا يمرني الربيع هذه الأيام. وأكتب عمن يريد أن يطعم حماره آيس كريم بدل البرسيم.

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=124609

* و منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10248

الجمعة، 3 أبريل 2009

في الملتقى الإعلامي روت لي نبوءة أبيها: لن تنجحي.. لأنك شريفة


أثناء تكويني الفكري استمعت لبعض الأهل يتحدثون عن قصة شابة كانت تربطهم بها قرابة بعيدة، واجهت ظروفاً صعبة في صباها، ثم أثارت دهشة الكثيرين وحنق البعض وهي تتخطاها وتتحداها لتكمل مشوارها الذي اختارته. طوعت الظروف وسارت بدرب رسمته بيديها. كان الإعلام حلمها.قالوا إنها كانت حديث الجميع. فمَنْ المرأة التي تتجرأ على التقاليد في أوائل السبعينات وتفكر بالعمل الإذاعي.لفترة طويلة وإرادة تلك الفتاة المجهولة التي سمعت عنها تمدني بأشياء من الصلابة وبروح الحياة رغم أني لم أرها ولم ألتق بها قط ولا أعرف حتى اسمها، وحسبت أنها مذيعة عادية بإحدى القنوات المحلية، اكتفيت بكلمتين عنها علقتا بذاكرتي: أرادت، نفذت.وفي نيسان الماضي حضرت إلى الكويت للمشاركة في إحدى ندوات الملتقى الإعلامي العربي الذي يرأسه الإعلامي الكويتي الأستاذ ماضي الخميس. كنت مدعوة في مثل هذا اليوم على العشاء ضمن الوفد السعودي الموجود آنذاك. هاتفني الأستاذ ماضي وقال لي: السيدة هدى ذاهبة، روحي معها بالسيارة نفسها.كانت فرصة للتعرف شخصياً إلى الإعلامية العريقة التي ينوي الملتقى الإعلامي تكريمها في اليوم التالي.في بهو فندق شيراتون كنت أنتظرها عند المدخل. رأيت هدى الرشيد قادمة نحوي، عرفنا بعضنا دون أن نلتفت باحثات بين الجموع التي كانت تملأ البهو استعدادا لافتتاح الملتقى في اليوم التالي.فوجئت بها، جميلة، أنيقة جداً، شعرها قصير. وماكياجها بسيط. تبدو كسيدات المجتمع الأوروبي. تحدثنا في السيارة كثيراً، وصارت تسألني عن عملي وأسألها عن حياتها.حين وصلنا المجلس الذي كان يضم عشرات الرجال وأربعة أو خمسة سيدات جالسات مع بعضهن كنت أهم بالجلوس حين قالت لي: لن نجلس قبل مصافحة الجميع. قام الجميع من مقاعدهم وأخذنا نصافح عددا كبيرا من الرجال، وحين انتهينا جلسنا قرب السيدات، فقالت متذمرة: لا يعجبني الجلوس هنا في الزاوية. المفترض أن نتوسط الحاضرين. كانت تلك هي السعودية الأولى في حياتي التي ترغب في توسط الحاضرين دون الانزواء خجلاً. صعب لدى الكثيرات أن تتطابق مبادئهن العليا بتفاصيل عاداتهن اليومية.حين أعلن عن العشاء، همست في أذني: لن نقبل أن نجلس إلا في مقدمة المائدة، وهكذا كان.في اليوم التالي كرمها الملتقى الإعلامي بجائزته التقديرية.هدى الرشيد السعودية التي أمضت 32 عاما كمذيعة رئيسة في إذاعة الـ’’بي بي سي’’ البريطانية، وتردد عبر الأثير: هنا لندن.صادقتها ولم أصدق نموذجها الفريد. تملك روحاً شجاعة تجهل الكلل. وصممت بعدها على إجراء حوار معها.حضرت من لندن.روت قصتها في الانتقال من السعودية إلى الحياة في بريطانيا، ووصفت معارضة أبيها الشديدة لانتماء ابنته لعالم الإذاعة.حين أعلنت لأبيها أنها تريد أن تكون مذيعة حاول التثبيط من همتها:‘’لن تنجحي في هذا العمل؛ لأنك شريفة’’.لكنها أصرتْ على المضي في العمل الإعلامي الذي تحتكر النجاح فيه كل من فقدت شرفها، كما يعتقد والدها، ستثبت لأبيها أن النجاح والشرف مقدر لهما أن يلتقيا، فلا شرف دون طموح، ولا نجاح أبدي لمن يتطاول على قيمه.وبعد مدة من خروج صوتها عبر الأثير صار الأب يخبر الجميع عن ابنته التي رفعت رأسه عالمياً.. حتى كان يسأل سائق التاكسي: أتعرف ابنتي.. المذيعة الشهيرة في الـ’’بي بي سي’’.. وانتقل لاحقا للإقامة عند ابنته التي صارت مصدر فخره.نجاحها كان أبدياً.لكن النجاح لا يأتي بسهولة: ‘’كنت أبكي كثيرا في الحمام في مبنى البي بي سي’’ ‘’حققت كل ما أريد مع بعض الفجوات المحزنة، هل توجد سعادة من دون فجوات’’.بعدما أذيع الحوار صارت الاتصالات تتوالى على هاتفي: أهي هدى؟ هل هي سعودية أصلية؟كنا نظن صوتها ملكاً لمذيعة عراقية، وكم سنة صار لها في بريطانيا؟ وما أسباب هجرتها؟.شيء حزين.اثنان وثلاثون عاما من العمل في أعظم المحطات الإخبارية ولا يعلم عنها مواطنوها انتماءها لبلدهم، كما لم يتم تكريمها في أي من الاحتفاليات الوطنية! واضح أنها لم تكن تهدف لشهرة وضجيج. واضح أنها كانت تهوى عملها حبا جماً، وواضح أن هناك نكراناً وإهمالاً للطاقات العربية المهاجرة، كما يحدث دائماً، وأعتقد أن هذا هو سبب وجودها في الخارج، فأولئك الذين علموا تماماً مقدار ما يمكن أن تمنحه الأرض العربية، وعلموا تماماً موهبتهم التي تضيق عليها مساحات بلدانهم قرروا منذ زمن بعيد الهجرة، وبقي هنا الحالمون بمستقبل أفضل، أو بقي الذين لا يعلمون أنهم يملكون الموهبة. وهدى ضمن الندرة التي عرفت أنها تملك الموهبة، وعرفت أين وكيف تستغلها؟أما أهم اتصال جاء كتعليق على الحوار، فكان من إحدى قريباتي تخبرني أن ضيفتي هي الفتاة ذاتها التي كنت أستمع لحكايتها في صغري.علاقتي بها بدأت منذ خمس عشرة سنة، وتعتقد هي أنها تعرفني منذ عام واحد فقط.المرأة ذاتها التي أمدتني بالقدرة على التمسك بالحلم، تمدني اليوم بالرغبة في الحلم من جديد، وعن قرب تعرفني على أجمل نموذج مستقبلي يمكن أن تحلم به أي سيدة.هذا شكري أوجهه للملتقى الإعلامي العربي الذي لولا تكريمه لهدى الرشيد ما كنت تعرفت إلى واحدة من أسباب تكويني.وهنيئاً للملتقى (الذي يبدأ دورته السنوية غداً) بمنجزاته الحية، والتي آمل أن تكون ككل سنة مفاجئة معطاء.
نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه
* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
* و منشوره ايضًا في جريدة الوقت البحرينيه :-

الجمعة، 27 مارس 2009

كلنا رسل للقانون


إذا كان غسيل الأدمغة قد دفع للاعتقاد بأن سيادة القانون أمر مخالف للعقيدة.
وإذا كان ذات الغسيل قد دعا للإيمان بأن مؤسسات المجتمع المدني هي عمل شيطاني.
وإذا كانت السلطوية قد جمدت عمل التجمعات المدنية ومنعت الاتحادات والنقابات وكل تحرك حقوقي من مزاولة النشاط في بعض الدول.. في حين سمحت الحيلة السياسية بنشوء تلك التجمعات في دول أخرى لكنها أبقتها في حيز دائرة (مع وقف التنفيذ)..
وإذا كانت الجريمة قد انتشرت في بلد ما وأصبحت كالخبز اليومي، والمجرمون نجوا من الاتهام وصار لهم شأن مهم، يحترمهم السياسي قبل المواطن العادي..
فهل من أمل بتحقيق حلم سيادة القانون؟
نعم وأمل كبير..
هذا ما تحكيه قصص أبطال حاربوا الجريمة والفساد.. لم يصمتوا بل صمدوا أمام المجرمين وسارقي أمن المجتمعات.
المؤلف الإيطالي روبرتو سفيانو نشر روايته (غومورا) عن مدينته التي يحبها نابولي والتي شوهتها مافيا كامورا وتفشت بها حد الجنون. لشجاعته أصدرت المافيا بحقه حكم القتل، لذا يسير اليوم برفقة مجموعة من الحراس، لكنه لم يخشَ من فعلته الوطنية، فدماء حب أرضه تمنعه من التوقف عن المطالبة بالعدالة.
روى روبرتو في كتابه عن شاب يكشف جرائم وحقائق تنشر لأول مرة عن مافيا كامورا التي توطنت في كاسال بنابولي وأخذت تعيث بها قتلا وتدميراً وتجارة محرمة دون رادع أو اللجوء لقانون عادل.
ولولا إيمان روبرتو بأهمية القانون ما ألف روايته المميتة.
الطاقة التي كتب بها روبرتو روايته لا بد وأن انتقلت لي أو لغيري، ما قام به ليس عملا محليا خاصا بمحبوبته نابولي، بل هو عمل عالمي يدفع عشرات الآلاف غيره من محبي أوطانهم إلى الاحتذاء به.
إنها ثقافة الوطنية تنتقل بين أفراد الشعوب المختلفة.. ثقافة المطالبة بحكم القانون.
ذلك تحديدا هو عنوان المنتدى الذي انضممت إليه قبل عامين وأصبحت عضوة به.. منتدى ثقافة القانون..
ومفهوم ثقافة القانون بحسب تعبير روي جدسن (البروفيسور في جامعة جورج تاون ومؤسس مشروع ثقافة احترام القانون) '' ثقافة تقتنع فيها الأكثرية بأن حكم القانون يتيح أفضل فرصة على المدى البعيد لضمان الحقوق، كما تقتنع بأن حكم القانون قابل للتحقيق وهي ملتزمة بالدفاع عنه...''.
''في ثقافة احترام القانون تؤمن الغالبية بأن الامتثال لحكم القانون أفضل سبيل لخدمة المصلحة العامة والمصلحة الشخصية كما لحمل الحكومة نفسها على اتباع حكم القانون..''.
هناك فارق بين حكم القانون والحكم بالقانون حيث يسنّ أصحاب النفوذ أو النخبة القوانين ويسيطرون بها على الضعفاء.
أهم ما جاء بمفهوم روي لثقافة القانون هو أن مكوناتها يمكن أن تبنى في جيل واحد فقط، بحيث يقتنع المواطنون، الذين يتخذون من القانون مثلا أعلى، أن باستطاعة مجتمعهم الانتقال لحكم القانون لكن يتعيّن عليهم وعائلاتهم وأصدقائهم تأدية دور ناشط في تعزيز ثقافة احترام القانون المطبقة والإبقاء عليها.
أهم الأسئلة التي يطرحها روي: من المسؤول؟
يقول إن الجميع يضع المسؤولية على الدولة أو الاقتصاد أو غيرهما ولا أحد يتهم نفسه.. لا أحد يحرك ساكناً، فكل فرد بانتظار أن تأتيه العدالة من المجهول..
كل أفراد المجتمع هم مسؤولين برأيه، لا الدولة ولا الاقتصاد فقط.
منتدى ثقافة القانون لا يضم قانونيين بل أفراد من مختلف المواقع. إعلاميون، منتجون، مخرجون، أساتذة جامعات، ممثلون سينما.. كل له مشروعه التوعوي الخاص، وقد يضم مستقبلا طلاب جامعات ومدارس أيضاً..
ونتطلع لتوسعة المنتدى عبر مشاركة المزيد من الأفراد وتلقي المزيد من الأفكار. الجميع يجب أن يشارك في الرسالة السامية الجديدة.
ما يهدف إليه هذا المنتدى العالمي هو نشر الإيمان بين الأفراد بأهمية القانون، وهو أصعب من مطالبة الدولة باستحداث قانون..
أن تعيد صياغة قيم الأفراد أمر به تعقيد، فكيف يؤمن المجتمع الذي يعتريه الفساد ويصمت، المجتمع الخائف من لحظة الوفاة، أن باستطاعته وحده إنهاء الجريمة؟
ويزداد الأمر تعقيدا إذا وصلنا لدول تحرم مؤسساتها الدينية العمل المدني وتتهم القانون المدني بصفته قانون كفر وبغاء.. كيف يؤمن أفراد تلك المجتمعات بأن السيادة للقانون لا لنزوات مفسري النصوص؟
كيف ننشر ثقافة احترام القانون في بلد ليس به قانون، يحتكم الجميع إلى علماء مختلفين فيما بينهم حد النخاع وتتغير أقوالهم المقدسة مع تغير أحوالهم وأوقاتهم؟
هل نطلب سن دساتير أولاً؟ أم نبدأ بتوعية الأفراد بالجريمة التي حدثت بحقهم.
الجريمة التي هي أقسى من جرائم نابولي.
في نابولي يعاني المجتمع ويعلم أنه يعاني.. أما في هذه الحالة، التي يسود بها حكم (البلطجة) وقطاع الطرق بشكلهم العصري الجديد، فيعاني الشعب ولا يعلم أنه يعاني.. مجرد توعيته بمشكلاته ستلقى هجوما من الشعب ذاته الذي خضع لأكبر علمية غسيل مخ جعلته يرى الظلم عدالة.
أجريت حوارا في برنامجي حول مؤسسات المجتمع المدني في إحدى الدول الخليجية. وجاءتني الردود..
يقولون إن مؤسسات المجتمع المدني شيطانية، التسمية البديلة: مؤسسات المجتمع الديني.
يقولون إن نقابات المهن المختلفة كفر..
مفهوم القانون بنظرهم هو الابتعاد عن الدين وحكم البشر بدلاً عن حكم الله.
فهل نضيع الوقت بحثاً عمّن شكل هذه العقلية لنلقي اللوم عليه؟ في الوقت الذي يصر روي على أننا مسؤولون جميعنا..
كنت دخلت بالأمس جدلاً مع صديق يؤكد بأنه لن يتغير شيء طالما أن الأنظمة (المسؤولة) رافضة للتغيير. قال إن جرة قلم من أي نظام بإمكانه تعليق العدالة أو الدفع بها. ''فلم تضيعين حياتك وأنت تكتبين عن العدالة؟ عن شيء لن تملكي القوة يوماً لتغييره..''.
صديقي هذا لم يحضر منتدى ثقافة القانون الذي بدأناه في إيطاليا وانتقل لأبوظبي ثم البحر الميت، واليوم أكتب هذه السطور خلال الاستراحة بين جلساته في العاصمة بيروت..
صديقي لم يتذوق حلاوة الاستماع لقصص أبطال عالميين ولم تدمع عيناه أمام مشهد أعينهم تفيض بالدموع وهم يتذكرون إصرارهم ونجاحهم في مواجهة العنف باللاعنف.. واللامدنية بالشرعية والهوية.
كل قصة رويت من أحدهم كانت دليلا كافياً على أن كل فرد هو المسؤول.
كلنا رسل للقانون.
إذا قال فرد واحد منا: لا.. فسيتبعه الملايين وستسقط أجهزة فاسدة بأكملها..
في بيروت قرأت أمام الحاضرين البيان التأسيسي للمنتدى، شعرت أني أعلن عن قيام دولة.
رغم أن المجموعة أمامي كانت صغيرة لكني شعرت أني أعلن عن تأسيس أهم حدث تعيشه الشعوب.. ثقافة احترام القانون.
.


نادين البدير

كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=121492

* و منشوره ايضًا في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10095


الجمعة، 20 مارس 2009

كـــــل ســـنة وأنــــتِ مـــامـــا


تذكرين أمي من علمني أن أنام تحت السماء؟
قلتِ لي إن النائم تحتها بإمكانه الإبصار، باستطاعة عينيه المغمضتين رؤية القمر وتأمل النجوم.
وتذكرين كيف علمتني أن أكره العتمة؟ أن أبقي الستائر والنوافذ مفتوحة، لأحكي مع الأفلاك وكل الكائنات؟
أنا لم أخش رواح النهار يوماً مثل بقية الأطفال.
أحببت الليل مثلك، رأيتك تعبرينه وتثبتين أن لليل ضوءا، ضوء لا ينضب اسمه أمي.
وأحببت الفجر.
صار الفجر ملكي منذ أيقظتني لأعيشه وأنا في السادسة إلى أن تخرجت.
وحين يطلع النهار، وتجتمع الأمهات والأبناء، ليست دروس أمي كوصايا الأمهات، لم ترد أن تهب البشرية إرثا جديدا من الحريم.
فلا ضيعت الوقت معنا بتجميل مهنة النخاسين، ولا أبهرتنا بحكايات الأمير والجارية الحسناء الحزينة.
(إياكِ والخوف) كان أول دروسها: نحن النساء لا يضيعنا سوى الخوف..إن أظهرت ضعفكِ قضى عليك.
أول درس كان الأهم. الخوف من المجهول الذي يسيطر على ملايين العربيات لم يعرف طريقه لنا لأنك أبعدت شبحه عنا، ربطت انتفاءه بالكرامة والشجاعة.
سردت لنا أمي قصصا عن رجال ونساء من الزمن البعيد والقريب كيف أن شجاعتهن أدامت بقاءهن، قصصت لنا بطولات شعوب الأرض التي لم تخف، التي نجت لأنها لم تخش قط.
في كل مرة أضع عيني في الأرض أتذكر أوامرها بأن عين الأنثى حارسها، والحارس لا ينم ولا تجفل عينيه. كذلك عينيها متيقظتين متوثبتين دائماً، عينا الأنثى الحقيقية، تقول أمي، تخيفان الأشرار الذين يبحثون عن صيد ثمين. يعرفونه في عينين خائفتين خجلتين معلقتين بالتراب.
لم يكن يربكني أكثر من صوتها وهي تلاحقني في كل الأوقات قائلة: ارفعي صوتك، الصوت المنخفض صوت كسير فيه إيحاء لدعوات غير حميدة وأنت في مجتمع تفسيراته ليست حميدة في معظمها.
درس النقد كان أصعب الدروس.
عدت يوماً إلى البيت لأقص بانبهار نبأ يتداوله الجميع. فاجأتني ردة فعلها كالعادة، رأي مغاير لما اتفق عليه كل من صادفته. لديها رأي خاص في كل مناسبة، لم يحدث قط أن انساقت وراء رأي المجموع، فقط لأن الغالبية اتفقت عليه.
كنت لا أفهم كيف أنك الوحيدة في محيطي العائلي التي تمتلك رأياً فردياً. وصرت أنا ممن ينادون بالآراء الفردية. ليس أخطر من التفكير بصوت المجموع.
من مكتبتك تعلمت أقرأ. تاريخ فرنسا وروايات همنغواي وألمع أسماء العربيات، منها تعلمت أن أكتب. لن يخطر ببال أحد أن أرففها الثقيلة المليئة بالدين والعلوم ملك لربة بيت تطبخ وتعتني بصغارها وصغيراتها. كما لم أنفق في صباي الكثير على الكتب والروايات، كانت جاهزة وأمامي دوماً. وحين كنا ولازلنا نلتف حولها في ساعات العصر لتسرد لنا قصص استقلال شعوب العالم بطريقتها الأنثوية القوية، يخيل إلينا لبرهة أنها كانت تعيش تلك الأزمنة.
من مكتبتك اصطدت (أنا حرة) وأخذت أتبع نهج عنوانها المثير.
أفكر عادة بما كان سيحدث لو لم أتطفل على كتبك وأقرأ ما تقرئين. لو أني كنت بنتاً مطيعة للطفولة واكتفيت بماجد ولولو.
وأتساءل أني حين كنت أنشد الحرية، هل كنت أتحرر منك أم لأجلك؟
خشيت أن أتحول لحياة العطاء اللامحدود. عطاؤك الذي ليس له شبيه.
إنسانة واحدة لا تعرف أن تأخذ أبداً، لم يحدث ورأيتها تأخذ. هي أمي.
وتعلمين أني في بعض الأحيان كرهت الأمومة منك؟ جعلتني تضحياتك الجليلة أربط الأمومة بالفناء.
أنجبتنا وتخلت عن كل شيء، حتى عن الحلم. كان خيار أبي إما طموحها وإما نحن فاختارتنا. تركت العمل والحرية وتخلت عن الاستقلالية، اكتفت بأن تحكي عنها فقط.
كثيرا ما جرفتني الأفكار فظننتها قد ندمت على حياتها الأولى، وأنها تنتظر سفرنا أو زواجنا لتهدأ وترتاح من صخبنا.
لكنهما حين جلسا (وحيدين) على طاولة طعامنا التي أصبحت شبه صامتة بعد أن باعدتنا الحياة قليلاً عن حضن أمي.. أسمعها اليوم تقول لأبي: تلك سعادتي، كانت وأنا أراقب شجارات أطفالي وضحكاتهم على مائدة الغداء، تلك تريد الجلوس بقربي وآخر بقربك، كانت أذناي تطربان لسماع ذلك النزاع الطفولي الذي أرهقك.
لم أعلم قبلها أن أمي كانت سعيدة بشجارنا وضحكاتنا المرتفعة، حسبت أننا كنا نؤرق صحوتها ومنامها ونذكرها بماض سرقناه منها، لم تفصح يوماً عما يمكنه أن يسعد قلب الأم.
الأم التي لم تفرق مطلقاً بين تربية ولد وبنت..
أمي التي دفعتنا دفعاً ليكون لنا أحلام.. قالت إن العمل والسفر يكونان الإنسان.
ماما التي لا أذكر أنها عانقتنا بأيديها يوماً، لكنها حتى اللحظة تحيط أرواحنا أينما ذهبنا بهالتها الحنونة.
وأنا صبية..
كم كرهت شعري المعقود. وكم حقدت على ضفائري. كنت أحلم أن أنثر شعري في الهواء دون وثاق. حلمت أن أفك عنه الشرائط والألوان، أقسمت أني سأحله يوماً وسأفك كل رباط.
وبعدما حطمت حائط الممنوعات، وبعد لهاثي وراء موجة الأحلام.
اشتقت وأشتاق لضفيرة تجدلها أمي. بل ضفيرتان ترميهما على كتفي.
وحنيني مرير لمشط قديم كانت تؤلمني أسنانه.. لو أني تركتها لتغرس برأسي كيفما تشاء.
وأنا صبية..
كنت أجن حين تسألني متى تعودين وأين تذهبين.
'' لقد كبرت، وما عاد من حق أحد سؤالي''
أعود لنداءاتها، أصطنع الخروج فتتنبه: أين أنت ذاهبة؟ يغمرني فرح وأجيب: لا يهم، لن أخرج. سأبقى عند قدميك.


نادين البدير

كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=119858

* و منشوره ايضًا في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=10021

الجمعة، 13 مارس 2009

في معرض الحرام...


نكتة حقيقية جرت أحداثها في معرض الكتاب الأخير بالرياض.. حيث شاركت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعرض ممثلة عبر مكتبها وجناحها الذي تعرض من خلاله منجزاتها الاجتماعية.. جناح الهيئة كان الجناح الوحيد بالمعرض الذي لا يعرض كتباً، ويتميز عن بقية الأجنحة بعرض زجاجات مشروبات روحية وملابس نسائية وطلاسم سحرية تم ضبطها. يقول المسؤول عن الجناح انه لا يوجد لديهم ما يبيعونه وتقتصر معروضاتهم على المنكرات التي يضبطونها في جولاتهم..كما قامت الهيئة بتحويل عشرين إلى ثلاثين كتابا يومياً إلى إدارة المطبوعات للفحص..
نجاح الهيئة لا يشاطرها به أحد. الهيئة التي تنبذها الملايين تمكنت من الوصول إلى محفل العلماء بل ومزاحمتهم في الأجنحة والأركان..
في معرض المنكرات، كان من المناسب أن تشارك الهيئة فتعرض الفسق والمنكر مثلها مثل بقية المؤلفين والأدباء. معرض الكتاب صار معرضاً للحرام.
في جناح الهيئة عرضت الطلاسم السحرية بدلا عن الكتاب...
الرسالة تقول: المفكر زنديق كالساحر.
لسان حال الهيئة يقول للجميع: الآخرون لا يبيعون كتباً بل فسقا.
عرضت الموبقات في محفل للثقافات والإبداعات.
ليس الهدف إعلان عن حرام قدر ما هو سباق لتحويل السطحي إلى محور للفكر العام بدلا عن دوران الفكر حول رأي لهرطقي أو قول لزنديق. تماما مثلما تحول قياس اللحية والثوب لوهم ثقافي.
*
لكن ما حدث في معرض الكتاب بالرياض ليس حالة خاصة بفكر منتشر في السعودية. إنها حكاية المعرفة عند العرب، وقصتهم مع المطالعة.
صحيح أن ولا معرض كتاب عربي يصيبه الذي يصيب معرض الرياض فيشوهه ويضيع حلاوة الاحتفالية السنوية بالعلم. إلا أن الفكرة العربية واحدة في مختلف ومعظم الأماكن: لا تقرأ.
مثلما اقتيد المثقفون إلى المحارق ليشتعلوا أحياء زمن محاكم التفتيش، يقتادون الآن إلى مقصلة التكفير، تشوه سمعتهم، ينفون للخارج، يتعرضون للذل حالهم حال المجرمين وسافكي الدماء. وسفك دم الجهل جريمة ليس لها صك غفران.
ما يحدث في المنطقة العربية وتحديدا في الأماكن التي يقتات بها المتطرفون، نسخة جديدة من عهد الانحطاط الأوروبي. لكن قرون الظلمات الأوروبية انتهت منذ مئات السنين، فكم سيتطلب الوقت في المنطقة العربية للخروج من العتمة التي تخيم عليها. وهل هناك أمل بعصر نهضة عربي؟
معرض الكتاب الحقيقي كتبه لا رقيب عليها، ولا تلوثه لائحة سوداء لمحظور أو ممنوع.
هذا المعرض الحلم يعجل من فرص النهضة، زيارته لأي مدينة أو عاصمة تهدد من يعتمد مبدأ التعتيم نهجاً، ليس غريبا إذاً أن تعد له العدة مسبقاً.
يتجول الجاهل في معرض الكتاب لتقييم المعلومة وتحديد مقدار الجرعات الثقافية الموجهة للأفراد وفحواها أيضاً!
سخروا من المثقفين في عقر دار الثقافة، أرادوا أن يثبتوا للجميع سلطتهم التي تفوق الفكر، وأثبتوها.. بعثروا المتجمعين، منعوا الاختلاط (رغم أن قضيتهم لا تمت للاختلاط بصلة) أهانوا الكتاب، ساقوا المفكرين للتحقيق.. تعدوا على كاتبة وحرموا قراءها من توقيعها.. فعلوا كل ما يحلو لهم.
ولم يعاقبوا، انتقدوا صحافياً فقط.
لم يعاقبوا لأنهم لم يكونوا يعبثون في السنوات الثلاثين الأخيرة، عملوا جاهدين حتى تمكنوا من توسعة دائرة مناهضي المعرفة، امتدت الدائرة لتشمل الشعوب. ما عاد المسؤول يلاقي صعوبة في منع الناس عن القراءة، صار قرار الحظر يصدر من الأفراد أنفسهم. حتى وإن دفعهم الفضول للقراءة فإن حكم التكفير جاهز ضمنياً وقبل البدء بالصفحة الأولى.
أذكر معرض الكتاب في المدرسة. دخلت بعض الطالبات وصرن ينصحننا بصوت مرتفع: ابتعدوا عن لهو الكتاب يا بنات، واشترين كتب الدين فهي ما سينفعكم في الآخرة. ولهو الكتاب بنظرهن كانت روايات الأدب العالمي المترجمة والألغاز وقصص أغاثا كريستي البوليسية وأخرى عاطفية.
فهمنا، قرأت اليوم دينا، وغدا دينا وبعد غد دينا والذي بعده، ثم ماذا في غرف الانتظار (العربية) بالصالونات وعيادات الأطباء، يندر أن تصادف الكتاب، وإن حدث وأخرجه أحدهم فكتاب أذكار وأدعية.
أما سائق التاكسي (بالعالم المتحضر) فيمسك كتابا بانتظار راكب، وبائع الساندوتشات يقلب الصفحات بشغف بدل الثرثرة بانتظار زبون. ومحصل التذاكر وركاب الميترو. الشعب كله يسير وهو يقرأ، يقرأ كل شيء ودون شروط.
تسير القاعدة الشعبية العريضة وهي تقرأ. هكذا تفسر أسس الحضارة. حيث القاعدة تحتل القمة. وحيث الهرم مقلوب.
لكنهم كفرة.

نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=118260

* و منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9947



الجمعة، 6 مارس 2009

تقبيل الأيادي: وهم الترابط العائلي


في لقاء تلفزيوني دار جدل بين الأميركية ناديا سليمان (التي أنجبت ثمانية أطفال لينضموا لإخوتهم الستة الآخرين) وبين والدتها التي تكاد تجن من عدد المواليد المحرج الذين ستصطحبهم ابنتها أينما ذهبت أمام مرأى الجميع في بلد عدد أفراد الأسر به محسوب بعناية.
العدد 14 أذهل الشارع العام الأميركي ونال تغطية إعلامية ضخمة بسبب طريقة الإنجاب دفعة واحدة وهول العدد، وصارت أم الـ14 حديث البرامج والصحف والمجلات.
لعل أصلها الشرقي قد شدها للعائلة الكبيرة، ودفعها لإنتاج كم هائل من الأطفال دون التفكير حتى بكيفية إعالتهم، إذ كان حلم حياتها كما تقول تكوين عائلة كبيرة..
العائلة الكبيرة...
مفهومها يعني أبناء وبنات وعدد كبير من الأحفاد وعدد أكبر من العلاقات المتناقضة فيها الحب والشر والصداقة والغيرة والحسد.
كأنها قرية صغيرة محيطها المنزل الكبير. لا يهم أن يكون أفرادها وحدة واحدة فالمسألة تتعلق بالكم وليس بالكيف ولا بالنوع. ولو أنها تعلقت بالنوعية وبروابط المحبة الخالصة لاقتصر الأمر على ثلاثة أو أربعة أبناء.
ولا يهم أن يمتلك مؤسس العائلة الكبيرة القدرة على التعامل مع كافة الأعمار من أبنائه، فلا شيء يضاهي الشعور بفخر الإنجاب المتواصل وبفحل لا يشيخ.
على حساب مَنْ؟
يعرف أبي شخصاً لديه خمس وأربعون ابنا وابنة. كان يسير في الشارع برفقة أبي حين جاء طفل تاركا رفاقه يلعبون وتوجه نحو رفيق والدي وشرع يقبل يده. مد الرجل يده للطفل وسأله وهو يقبلها: ما ألطفك، ابن من تكون؟ تعجب الطفل ورد منكسراً: أنا ابنك.
سألت أبي: طالما أن الرجل لم يعرف أنه ابنه، لما سمح له بتقبيل يده؟
أجابني: طبعا هذا كل ما شد انتباهك في القصة! أقول لك إن المصيبة أنه لا يعرف أشكال أبنائه.
قلت له أمازحه: وأنت كم حفيد الديك؟ فكر لبرهة قبل أن يجيب: والله يقولون صاروا ستين.
«عدم معرفة أشكال الأحفاد أهون بكثير».
ما شدني بالفعل في القصة هو الطقس الأبوي الذي يمارس محلياً عبر العصور. عادة تقبيل الأيادي.
تقبيل يد الغير بصفة عامة فيه خنوع ومذله وإسقاط للكرامة، تمرد عليها الملك السعودي عبدالله بن عبد العزيز قبل سنوات عدة ومنع تقبيل أيادي المسؤولين بأمر ملكي كخطوة لتخليص النفس الحرة التي تأبى الانحناء لغير الله.
أما عائلياً فعرف عنها أنها عادة حميدة ومحببة، فيها احترام للكبير وشعور بالتقدير نحوه. لكن تلك العادة صارت تشير إلى طقس رسمي والمستفيد طرف دون الآخر..
هي إعادة تعريف يومي للدرجة الأسرية للفرد ورتبته العائلية. تقبل اليد في الصباح فلا يعود بإمكانه الوقوف أمام أبيه وجها لوجه لقول كلمة لا.
كلما اجتمعت العائلة أرقب ردة أفعال الكبار عندما تقبل أياديهم.. كان جدي حين يصافح أمي يقبل جبينها فتفاجئه بمحاولة جديدة لتقبيل يده، ولم تنجح محاولاتها على مر السنين إذ كان يسحبها فوراً. وهي بدورها اليوم تمارس ردة فعل أبيها تجاه ذلك الطقس العربي فلا تسمح لنا بتقبيل يدها حتى لو حاولنا أن نشدها رغماً عنها. وعلى النقيض فإن أول ما تفعله يد أبي عند إقبالنا لتقبيل وجنتيه هو الارتفاع إلى مستوى يشير إلى أن اليد أولاً، وقبل الخدين.
بعض الآباء تجاوزوا تلك النشوة الظاهرية إلى ما هو أهم، إلى أبنائهم، وبعضهم غرق بحلاوة الفوقية.
كيف هي العلاقة بين أب وعشرين أو ثلاثين ابنا وابنة؟ وكيف يمكن لأم 14 أو 12 أن تعي متطلبات الجميع.
الرابط بين الأب وأفراد العائلة الكبيرة يفتقد للعمق أحياناً وينحسر إلى قبلة على يد، خالية من أي واجبات أو مسؤوليات أبوية.. والبقية الباقية من الواجبات والعواطف والصداقات مع الأبناء تحملها أكتاف الأم وحدها.
دائما نعجب منها. مقدرة أمي على معرفة احتياجات كل من في البيت مذهلة. وفن إنصاتها لابنائها لا مثيل له. لكن ذلك كله يستنزف من عافيتها ومن عمرها. وهي تصر على أن ذلك الاستنزاف مصدر لسعادتها. العائلة الكبيرة تستنزف النساء الأمهات. ففي العمر الذي ينبغي عليها الالتفات لنفسها والتمتع بالدنيا.. يكون جيل جديد من أبنائها قد دخل سن المراهقة وعليها الالتزام بتهذيبه.
لا أظن أن حلم الأمومة قد خلق مع جميع النساء، بل نحن صنعناه. وأبقينا حياتها رهنا بإمكانية تحقيقه على أكمل وجه.
في صغري كانت أمي كلما حبلت أمازحها قائلة: هناك ارتفاع مطرد في السكان وأنت تساهمين بتقليص الوقت الذي يفصلنا عن الانفجار السكاني.
ترد بعصبية: اسكتي بس، كل وحدة تتمنى يكون عندها اخوات.
- فهمنا اخوات، مو عشيرة كاملة في بيت واحد..
الآن أخبرها أن أجمل شيء فعلته لأجلي هو إنجابها لشقيقاتي وهن صديقاتي الوحيدات. هذا جانب العائلة الكبيرة المشرق.
الجانب المظلم يعرفه الجميع، ليس أسوأ من إخوة بالدم وعلى الورق فقط، دون أدنى شعور عاطفي تجاه بعضهم البعض.
لذا فتنظيم الأسرة يعني جرعة قليلة لكن مركزة جدا من الأبناء المترابطين. تنظيم الأسرة يعني التزام باحتواء الابن إلى أن يكبر بدلا عن رميه بيد الأقدار وانشغال الأب بتكوين مزيد من الأجنة فيما يقف الابن منتظرا دوره في الصف الطويل للانحناء وإلقاء القبلة الرسمية.
ليس أفضل من تحديد النسل كوسيلة لأسرة مثالية وكاملة.
حين توصلوا لتنظيم الأسرة عربياً تغاضوا عن مسألة مهمة وهي: من يحق له أن يكون أبا ومن لها حق الأمومة.. على عكس الغرب الجميع هنا بلا استثناء يمتلك هذا الحق.. أما هناك فيسحب الحق بأمر من السلطات إن لم يمارسه الأبوان على أكمل وجه ملتزمين إزاء الأبناء بحياة كريمة خالية من جميع ألوان العنف حتى النفسي.
رضا الأب مسألة روحية وليست مجتمعية فقط، لكن ماذا عن رضا الابن. وواجبات الأب تجاه ابنه أو ابنته.. أليس من أنجبهم مسؤولا عن رعايتهم معنويا لا مادياً فقط؟
أليست مسألة واجب وضمير أن يعمل على التقريب بين أبنائه وعدم الاكتفاء بتقريبهم من كفه فقط؟


نادين البدير
كاتبه و اعلاميه عربيه سعوديه

* المقاله منشوره في جريدة الرأي الكويتيه :-
http://www.alraimedia.com/Alrai/Article.aspx?id=116622

* و منشوره في جريدة الوقت البحرينيه :-
http://www.alwaqt.com/blog_art.php?baid=9868